والكفل بكسر الكاف وسكون الفاء الحظ كذلك ولم يتبين لي وجه اشتقاقه بوضوح . ويستعمل الكفل بمعنى المثل فيؤخذ من التفسيرين أن الكفل هو الحظ المماثل لحظ آخر وقال صاحب اللسان : لا يقال هذا كفل فلان حتى يكون قد هيئ لغيره مثله ولم يعز هذا ونسبه الفخر إلى ابن المظفر ولم يذكر ذلك أحد غير هذين فيما علمت ولعله لا يساعد عليه الاستعمال . وقد قال الله تعالى ( يؤتكم كفلين من رحمته ) . وهل يحتج بما قاله ابن المظفر وابن المظفر هو محمد بن الحسن بن المظفر الحاتمي الأديب معاصر المتنبي . وفي مفردات الراغب أن الكفل هو الحظ من الشر والشدة وأنه مستعار من الكفل وهو الشيء الرديء فالجزاء في جانب الشفاعة الحسنة بأنه نصيب إيماء إلى أنه قد يكون له أجر أكثر من ثواب من شفع عنده .
وجملة ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) تذييل لجملة ( من يشفع شفاعة حسنة ) الآية لإفادة أن الله يجازي على كل عمل بما يناسبه من حسن أو سوء .
والمقيت : الحافظ والرقيب والشاهد والمقتدر . وأصله عند أبي عبيدة الحافظ . وهو اسم فاعل من أقات إذا أعطى القوت فوزنه مفعل وعينه واو . واستعمل مجازا في معاني الحفظ والشهادة بعلاقة اللزوم لأن من يقيت أحدا فقد حفظه من الخصاصة أو من الهلاك وهو هنا مستعمل في معنى الاطلاع أو مضمن معناه كما ينبي عنه تعديته بحرف ( على ) . ومن أسماء الله تعالى المقيت وفسره الغزالي بموصل الأقوات فيؤول إلى معنى الرازق إلا أنه أخص وبمعنى المستولي على الشيء القادر عليه وعليه يدل قوله تعالى ( وكان الله على كل شيء مقيتا ) فيكون راجعا إلى القدرة والعلم .
( وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا [ 86 ] ) عطف على جملة ( من يشفع شفاعة حسنة ) باعتبار ما قصد من الجملة المعطوفة عليها وهو الترغيب في الشفاعة الحسنة والتحذير من الشفاعة السيئة وذلك يتضمن الترغيب في قبول الشفاعة الحسنة ورد الشفاعة السيئة . وإذ قد كان من شأن الشفيع أن يدخل على المستشفع إليه بالسلام استئناسا له لقبول الشفاعة فالمناسبة في هذا العطف هي أن الشفاعة تقتضي حضور الشفيع عند المشفوع إليه وأن صفة تلقي المشفوع إليه للشفيع تؤذن بمقدار استعداده لقبول الشفاعة وأن أول بوادر اللقاء هو السلام ورده فعلم الله المسلمين أدب القبول واللقاء في الشفاعة وغيرها وقد كان للشفاعات عندهم شأن عظيم . وفي الحديث : مر رجل فقال رسول الله : ماذا تقولون فيه ؟ قالوا : هذا جدير إن شفع أن يشفع . . الحديث حتى إذا قبل المستشفع إليه الشفاعة كان قد طيب خاطر الشفيع وإذا لم يقبل كان في حسن التحية مرضاة له على الجملة . وهذا دأب القرآن في انتهاز فرص الإرشاد والتأديب .
وبهذا البيان تنجلي عنك الحيرة التي عرضت في توجيه انتظام هذه الآية مع سابقتها وتستغني عن الالتجاء إلى المناسبات الضعيفة التي صاروا إليها .
وقد دل قوله ( فحيوا بأحسن منها ) على الأمر برد السلام ووجوب الرد لأن أصل صيغة الأمر أن يكون للوجوب على مقتضى مذهب الجمهور في محمل صيغة الأمر ولذلك اتفق الفقهاء على وجوب رد السلام ثم اختلفوا إذا كان المسلم عليهم جماعة هل يجب الرد على كل واحد منهم : فقال مالك : هو واجب على الجماعة وجوب الكفاية فإذا رد واحد من الجماعة أجزأ عنهم وورد في ذلك حديث صحيح ؛ على أنه إذا كانت الجماعة كثيرة يصير رد الجميع غوغاء . وقال أبو حنيفة : الرد فرض على كل شخص من الجماعة بعينه . ولعل دليله في ذلك القياس .
ودل قوله ( وإذا حييتم بتحية ) على أن ابتداء السلام شيء معروف بينهم ودليله قوله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ) وسيأتي في سورة النور .
وأفاد قوله ( بأحسن منها أو ردوها ) التخيير بين الحالين ويعلم من تقديم قوله ( بأحسن منها ) أن ذلك أفضل .
وحيي أصله في اللغة دعا له بالحياة ولعله من قبيل النحت من قول القائل : حياك الله أي وهب لك طول الحياة . فيقال للملك : حياك الله . ولذلك جاء في دعاء التشهد " التحيات لله " أي هو مستحقها لا ملوك الناس . وقال النابغة :