@ 246 @ .
قال البخاري في صحيحه : حدثنا مسدد ، عن يحيى عن شعبة : حدثني أبو جمرة ، حدثنا زهدم بن مضرب ، قال : سمعت عمران بن حصين رضي الله عنهما ، يحدث عن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خيركم قرني ، ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) قال عمران : لا أدري ذكر ثنتين أو ثلاثاً بعد قرنه ( ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون ويخونون ولا يؤتمنون ويشهدون ولا يستشهدون ويظهر فيهم السمن ) اه من صحيح البخاري . وهو ظاهر جداً في إثم الذين لا يوفون بنذرهم ، وأنهم كالذين يخونون ، ولا يؤتمنون . وهذا الحديث أخرجه أيضاً مسلم في صحيحه ، عن عمران بن حصين . وقال النووي في شرحه لحديث عمران هذا فيه وجوب الوفاء بالنذر ، وهو واجب ، بلا خلاف ، وإن كان ابتداء النذر منهياً عنه : كما سبق في بابه ، اه محل الغرض منه . .
ولأجل هذا الإشكال المذكور اختلف العلماء في حكم الإقدام على النذر ، فذهب المالكية : إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائماً كصوم يوم من كل أسبوع فهو مكروه عندهم ، وذهب أكثر الشافعية : إلى أنه مكروه ، ونقله بعضهم عن نص الشافعي للأحاديث الدالة على النهي عنه . ونقل نحوه عن المالكية أيضاً ، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد . وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم ، والجزم عن الشافعية بالكراهة . وجزم الحنابلة بالكراهة ، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم ، وتوقف بعضهم في صحتها ، وكراهته مروية عن بعض الصحابة . اه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح . وجزم صاحب المغني : بأن النهي عنه نهي كراهة . .
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له : الظاهر لي في طريق إزالة هذا الإشكال ، الذي لا ينبغي العدول عنه : أن نذر القربة على نوعين . .
أحدهما : معلق على حصول نفع كقوله : إن شفى الله مريضي ، فعلي لله نذر كذا أو إن نجاني الله من الأمر الفلاني المخوف ، فعلي لله نذر كذا ، ونحو ذلك . .
والثاني : ليس معلقاً على نفع للناذر ، كأن يتقرب إلى الله تقرباً خالصاً بنذر كذا ، من أنواع الطاعة ، وأن النهي إنما هو في القسم الأول ، لأن النذر فيه لم يقع خالصاً للتقرب إلى الله ، بل بشرط حصول نفع للناذر وذلك النفع الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أن القدر فيه غالب على النذر وأن النذر لا يرد فيه شيئاً من القدر . .
أما القسم الثاني : وهو نذر القربة الخالص من اشتراط النفع في النذر ، فهو الذي فيه
