@ 409 @ .
أحدها : يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث ، وبهذا قال سفيان الثوري ، وأبو ثور ، وداود ، وابن جرير . .
والثاني : يغرب نصف سنة ؛ لقوله تعالى : { فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } ، وهذا أصحّ الأقوال عند أصحابنا ، وهذه الآية مخصّصة لعموم الحديث ، والصحيح عند الأصوليين : جواز تخصيص السنة بالكتاب ، لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى . .
والثالث : لا يغرب المملوك أصلاً ، وبه قال الحسن البصري ، وحماد ، ومالك ، وأحمد ، وإسحاق ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم في الأَمة إذا زنت : ( فليجلدها ) ، ولم يذكر النفي ، ولأن نفيه يضر سيّده مع أنه لا جناية من سيّده ، وأجاب أصحاب الشافعي عن حديث الأَمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي ، والآية ظاهرة في وجوب النفي ، فوجب العمل بها ، وحمل الحديث على موافقتها ، واللَّه أعلم . اه كلام النووي ، وقوله : إن الآية ظاهرة في وجوب النفي ليس بظاهر ، فانظره . .
وإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة ، وأن الأئمة الثلاثة : مالكًا ، والشافعي ، وأحمد ، متّفقون على تغريب الزاني البكر الحرّ الذكر ، وإن وقع بينهم خلاف في تغريب الإناث والعبيد ، وعلمت أن أبا حنيفة ، ومن ذكرنا معه يقولون : بأنه لا يجب التغريب على الزاني مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى ، حرًّا أو عبدًا ، فهذه تفاصيل أدلّتهم . .
أمّا الذين قالوا : يغرب البكر الزاني سنة ، فاحتجّوا بأن ذلك ثابت عن النبيّ صلى الله عليه وسلم ثبوتًا لا مطعن فيه ، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده ، وفيه : فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم : ( والذي نفسي بيده ، لأقضين بينكما بكتاب اللَّه : الوليدة والغنم ردّ عليك ، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام ) الحديث ، وفيه التصريح من النبيّ صلى الله عليه وسلم برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضينّ بينهما بكتاب اللَّه ، ثم صرّح بأن من ذلك القضاء بكتاب اللَّه جلد ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عامًا ، وهذا أصحّ نص وأصرحه في محل النزاع . ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره وهو حديث عبادة بن الصامت رضي اللَّه عنه الذي قدّمناه ، وفيه : ( البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة ) . وهو أيضًا نصّ صحيح عن النبيّ صلى الله عليه وسلم صريح في محل النزاع . واحتجّ الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلّة :