@ 410 @ .
منها : أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى : { فَاجْلِدُواْ كُلَّ وَاحِدٍ مّنْهُمَا مِاْئَةَ جَلْدَةٍ } ، والمقرّر في أصول الحنفية هو أن الزيادة على النص نسخ له ، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخًا للآية فهم يقولون : إن الآية متواترة ، وأحاديث التغريب أخبار آحاد . والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد ، وقد قدّمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم ، أمّا الأَوّل منهما وهو أن كل زيادة على النص ، فهي ناسخة له ليس بصحيح ؛ لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق ، إلا إن كانت مثبتة شيئًا قد نفاه النص أو نافية شيئًا أثبته النص ، أمّا إذا كانت زيادة شىء سكت عنه النص السابق ، ولم يتعرّض لنفيه ، ولا لإثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية ، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي ، حتى يرد دليل ناقل عنه ، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتًا بدليل شرعي . .
وقد أوضحنا هذا المبحث في سورة ( الأنعام ) ، في الكلام على قوله تعالى : { قُل لا أَجِدُ فِيمَا أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا } . .
وفي سورة ( الحجّ ) في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل عَلَى آيات ( الحج ) وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك . .
وأمّا الأمر الثاني : وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد ؛ فقد قدّمنا في سورة ( الأنعام ) في الكلام على آية ( الأنعام ) المذكورة آنفًا ، أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطًا لا شكّ فيه ، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد ؛ إذا ثبت تأخّرها عنه ، ولا منافاة بينهما أصلاً ، حتى يرجح المتواتر على الآحاد ، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين ؛ لأن كلاًّ منهما حقّ في وقته ، فلو قالت لك جماعة من العدول : إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن ، ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته ، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحقّ بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة ؛ لأن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم ، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك فأخبرك ذلك الإنسان بقدومه وهو صادق . وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور ؛ فالمتواتر في وقته قطعيّ ، ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي ،