@ 411 @ فنسخه بالآحاد إنما نفى استمرار حكمه ، وقد عرفت أنه ليس بقطعي ، كما ترى . .
ومن أدلّتهم على عدم التغريب : حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود ، وقد قدّمناه : أن رجلاً أقرّ عنده صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة سمّاها فأنكرت أن تكون زنت ، فجلده الحدّ ، وتركها . وما رواه أبو داود أيضًا عن ابن عباس : أن رجلاً من بكر بن ليث أقرّ عند النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه زنى بامرأة أربع مرّات ، وكان بكرًا فجلده النبيّ صلى الله عليه وسلم مائة ، وسأله صلى الله عليه وسلم البيّنة على المرأة إذ كذّبته ، فلم يأت بها ؛ فجلده حدّ الفرية ثمانين جلدة ، قالوا : ولو كان التغريب واجبًا لما أخلّ به النبيّ صلى الله عليه وسلم . .
ومن أدلّتهم أيضًا : الحديث الصحيح ( إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها ) الحديث ، وهو متّفق عليه ، ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد ، فدلّ ذلك على أن التغريب منسوخ ، وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامه صلى الله عليه وسلم أن الجمع بين جلد البكر ، ونفيه سنة قضاء منه صلى الله عليه وسلم بكتاب اللَّه . .
وإيضاح ذلك : أن النبيّ صلى الله عليه وسلم أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب اللَّه ، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع ، ما لم يبلغه شىء آخر يعارض به . .
وقال الشوكاني في ( نيل الأوطار ) : إن النبيّ صلى الله عليه وسلم هو المبين ، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب اللَّه ، قال : وخطب بذلك عمر رضي اللَّه عنه على رءُوس المنابر ، وعمل به الخلفاء الراشدون ، ولم ينكره أحد فكان إجماعًا ، اه منه . .
وذكر مرجحات أخرى متعدّدة لوجوب التغريب . .
والحاصل : أن حديث أبي داود الذي استدلّوا به من حديث سهل بن سعد وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب ، ولا التصريح بعدمه ، ولم يعلم هل هو قبل حديث الإقسام ، بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب اللَّه أو بعده ؟ فعلى أن المتأخر الإقسام المذكور فالأمر واضح ، وعلى تقدير أن الإقسام هو المتقدم . فذلك التصريح ، بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب اللَّه مع الإقسام على ذلك لا يصحّ رفعه بمحتمل ؛ ولو تكرّرت الروايات به تكرّرًا كثيرًا . وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحقّ ، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما : أبو هريرة ، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب اللَّه ، لا شكّ في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن . أمّا
