@ 216 @ تمليك العبد منافعه ، وتمكينه من التصرّف لنفسه ، ولا يحصل هذا مع ما يضرّ بالعمل ضررًا بيّنًا ، فلا يجزىء الأعمى ؛ لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع ، ولا المقعد ، ولا المقطوع اليدين أو الرجلين ؛ لأن اليدين آلة البطش ، فلا يمكنه العمل مع فقدهما ، والرجلان آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما ، والشلل كالقطع في هذا . .
قالوا : ولا يجوز المجنون جنونًا مطبقًا ؛ لأنه وجد فيه المعنيان : ذهاب منفعة الجنس ، وحصول الضرر بالعمل ، قاله في ( المغني ) . ثم قال : وبهذا كلّه قال الشافعي ، ومالك ، وأبو ثور ، وأصحاب الرأي ، انتهى محل الغرض منه . .
وبه تعلم إجماع الأئمّة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة . .
وقال ابن قدامة في ( المغني ) : ولا يجزىء مقطوع اليد أو الرجل ، ولا أشلّهما ، ولا مقطوع إبهام اليد أو سبابتها أو الوسطى ؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء ، ولا يجزىء مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة ؛ لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك . وإن قطعت كل واحدة من يد جاز ؛ لأن نفع الكفّين باق وقطع أنملة الإبهام كقطع جميعها ، فإن نفعها يذهب بذلك لكونها أنملتين ، وإن كان من غير الإبهام لم يمنع ؛ لأن منفعتها لا تذهب ، فإنها تصير كالأصابع القصار ، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإبهام قد قطعت من كل واحد منها أنملة لم يمنع ، وإن قطع من الإصبع إنملتان فهو كقطعها ؛ لأنه يذهب بمنفعتها ، وهذا جميعه مذهب الشافعي ، أي : وأحمد . .
وقال أبو حنيفة : يجزىء مقطوع إحدى الرجلين أو إحدى اليدين ، ولو قطعت رجله ويده جميعًا من خلاف أجزأت ؛ لأن منفعة الجنس باقية ، فأجزأت في الكفّارة كالأعور ، فأما إن قطعتا من وفاق ، أي : من جانب واحد لم يجز ؛ لأن منفعة المشي تذهب ، ولنا أن هذا يؤثر في العمل ، ويضرّ ضررًا بيّنًا ، فوجب أن يمنع إجزاءها كما لو قطعتا من وفاق . ويخالف العور ، فإنه لا يضرّ ضررًا بيّنًا ، والاعتبار بالضرر أَوْلى من الاعتبار بمنفعة الجنس ، فإنه لم ذهب شمّه أو قطعت أذناه معًا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس . ولا يجزىء الأعرج إذا كان عرجًا كثيرًا فاحشًا ؛ لأنه يضرّ بالعمل ، فهو كقطع الرجل ، إلى أن قال : ويجزىء الأعور في قولهم جميعًا . .
وقال أبو بكر : فيه قول آخر : إنه لا يجزىء ؛ لأنه نقص يمنع التضحية والإجزاء في الهدي ، فأشبه العمى ، والصحيح ما ذكرناه . فإن المقصود تكميل الأحكام وتمليك العبد
