(58) من الملائكة فقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فسلم عليهم، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فلما رجع إلى ربه عزّ وجلّ قال له ربه تبارك وتعالى: هذه تحيتك وتحية ذريتك من بعدك فيما بينهم إلى يوم القيامة " (1). قال السيد الطباطبائي: الأمم والأقوام على اختلافهم في الحضارة، والتوحش، والتقدم، والتأخر لا تخلو في مجتمعاتهم من تحية يتعارفونها عند الملافاة الملاقاة البعض البعض، على أقسامها وأنواعها، من الإشارة بالرأس، واليد، ورفع القلانس وغير ذلك، وهي مختلفة باختلاف العوامل المختلفة العاملة في مجتمعاتهم. أنت إذا تأملت هذه التحيات الدائرة بين الأمم على اختلافها وعلى اختلافهم، وجدتها حاكية مشيرة إلى نوع من الخضوع، والهوان، والتذلل، يُبديه الداني للعالي، والوضيع للشريف، والمطيع لمطاعه، والعبد لمولاه، وبالجملة تكشف عن رسم الاستعباد الذي لم يزل رائجاً بين الأمم في أعصار الهمجية فما دونها، وإن اختلفت ألوانه، ولذلك ما نرى أن هذه التحية تبدأ من المطيع وتنتهي إلى المطاع، وتشرع من الداني الوضيع وتختتم في العالي الشريف، فهي من ثمرات الوثنّية التي ترتضع من ثدي الاستعباد. والإسلام ـ كما تعلم ـ أكبر همه إمحاء الوثنية وكل رسم من الرسوم ينتهي إليها، ويتولد منها، ولذلك أخذ لهذا الشأن طريقة سوية، وسنة مقابلة لسنة الوثنية، ورسم الاستعباد، وهو إلقاء السلام الذي هو ينحو أمن المسلم عليه من التعدي عليه (2)، ودحض حريته الفطرية الإنسانية الموهوبة له؛ فإن ____________ 1 ـ الوسائل 8 | 444. والنبوي: "... إذا أتيت قوماً من المسلمين فقل: السلام عليكم ورحمة الله " كنز العمال 9 | 118، رقم الحديث 25271. 2 ـ ومن ثم جاء "... وإذا قل سلام المؤمنين بعضهم على بعض ظهرت العداوة والبغضاء في قلوبهم " جامع الأحاديث 15 | 585.
