( 58 ) الثاني: ما معنى القضاء؟ أمّا القدر بمعنى التقدير والتحديد، فكل ظاهرة طبيعية بل كلُّ موجود إمكاني خلق على تقدير وتحديد خاص، ولا يوجد في عالم الكون شيء غير مقدّر ولا محدّد، وإليه يشير سبحانه بقوله: (اّناكُلَّ شَيءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَر)(1). وقوله سبحانه:(وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إِلاّ عِنْدنا خَزائِنُهُ وَمانُنَزِّلُهُ إِلاّ بِقَدَرٍمعََلُوم) .(2) فالموجودات من النبات إلى الاِنسان محدّدة بالحدّ الذي نعبر عنه بالماهية، وهكذا الحال في الجمادات. وأمّا القضاء وهو حتمية وجود الشيء بعد تقديره وتحديده،وذلك رهن وجود سببه التام الذي يلازم وجود المسبب على وجه القطع والبت،فقضاوَه سبحانه عبارة عن إضفاء الحتمية على وجود الشيء عند وجود علته التامة، قال سبحانه في مورد السماوات: (فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَومَيْنِ وَ أَوحى فِي كُلّ سَماءٍ أَمْرَها) .(3) ويقول في حقّ الاِنسان : (هُوَ الّذي خَلَقَكُمْ مِن طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلاً)(4) أي حكم حكماًحتمياً بأنّلوجود الشيء مدّة محدّدة لا يتجاوز عنها. هذا هو معنى القضاء والقدر من غير فرق بين وجود الاِنسان وأفعاله ووجود الجواهر وأعراضها،غير انّالجميع قبل التقدير و القضاء مكتوب في كتاب عند اللّه سبحانه، و قد أشار إليه الكتاب العزيز في بعض الآيات: (ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الاََرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّفي كِتابٍ مِنْ قَبلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلكَ على اللّهِ ____________ (1)القمر: 49. (2)الحجر: 21. (3)فصّلت: 12. (4)الاَنعام:2.
