( 107 ) فقال النبي صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم: "الاَمر إلى اللّه يضعه حيث يشاء".(1) 2. لما بعث النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- سليط بن عمرو العامري إلى ملك اليمامة(هوذة بن علي الحنفي) الذي كان نصرانياً، يدعوه إلى الاِسلام وقد كتب معه كتاباً، فقدم على هوذة، فأنزله وحباه وكتب إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- يقول فيه: (ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله وأنا شاعر قومي، وخطيبهم، والعرب تهاب مكاني فاجعل لي بعض الاَمر أتبعك). فقدم سليط على النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وأخبره بما قال هوذة، وقرأ كتابه، فقال النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : " لو سألني سيابة من الاَرض ما فعلت، باد وباد ما في يده".(2) و نقل ابن الاَثير على نحو آخر، فقال: أرسل هوذة إلى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- وفداً فيهم مُجاعةبن مرارة والرّجال بن عنفوة ، يقول له: إن جعل الاَمر له من بعده أسلم وصار إليه ونصره، وإلاّقصد حربه. فقال رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- : "لا ولا كرامة، اللّهم اكفنيه"، فمات بعده بقليل.(3) إنّ هذين النموذجين التاريخيين اللَّذين لم تمسّهما يد التحريف والتغيير يدلاّن بوضوح كامل على أنّ روَية النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مسألة الحكم والخلافة هي انّها أمر سماويّ خارج عن صلاحيته، فالاِرجاع إلى اللّه وضرب الصفح عن الشورى والبيعة أو الاستفتاء العام خير دليل على كونه منصباً إلهياً، والعجب انّه لم يكن هذا رُوَى النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- في مورد الحكم فقط بل كانت الصحابة بعد رحيله يسيرون على هذا النهج غير انّهم بدّلوا التنصيب الاِلهي بتنصيب الخليفة لمن يقوم مكانه بعده. ____________ (1)السيرة النبوية: 2|424ـ 425. (2)الطبقات الكبرى:1|262. (3) الكامل في التاريخ : 2|146.