( 229 ) وممَّن يمثل ذلك المقام في الاَُمّة الاِسلامية هو إمام العارفين وسيد المتّقين علي أمير الموَمنين - عليه السّلام- فهو في عامَّة مواقفه ، في جهاده و نضاله، وعزلته وقعوده في بيته، وفي تسنّمه منصَّة الخلافة بإصرار من الاَُمّة، فهو في كلّهذه الاَحوال والمواقف، لا همّ له إلاّ طلب رضوانه تعالى. و قد صرح الاِمام بذلك عندما طلب منه تسلّم مقاليد الخلافة، فقال:"أما والذي فلق الحبَّة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر، وقيام الحجّة بوجود الناصر، وما أخذ اللّه على العلماء ألاّ يقارُّوا على كظّة ظالم، ولا سغب مظلوم، لاَلقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولاَلفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز".(1) و قد تجلّت هذه الخصلة في علي - عليه السّلام- حين مبيته في فراش النبي - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- . روى المحدّثون أنّ رسول اللّه - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- لمّا أراد الهجرة خلّف علي بن أبي طالب - عليه السّلام- بمكة لقضاء ديونه و ردّ الودائع التي كانت عنده، وأمره ليلة خرج إلى الغار وقد أحاط المشركون بالدار أن ينام على فراشه فقال - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- له: يا علي اتَّشح ببردي الحضرمي الاَخضر، ثمّ نم على فراشي، فانّه لا يخلص إليك منهم مكروه، إن شاء اللّه عزّوجلّ، ففعل ذلك - عليه السّلام- فأوحى اللّه عزّوجلّ إلى جبرئيل وميكائيل عليمها السَّلام إنّي قد آخيت بينكما وجعلت عمر أحدكما أطول من الآخر، فأيّكما يوَثر صاحبه بالحياة؟، فاختار كلاهما الحياة، فأوحى اللّه عزّوجلّ إليهما: ألا كنتما مثل علي بن أبي طالب ، آخيت بينه وبين محمّد - صلَّى اللّه عليه و آله و سلَّم- فنام على فراشه يفديه بنفسه ويوَثره بالحياة ، اهبطا إلى الاَرض فاحفظاه من عدوّه، فنزلا فكان جبرئيل عند رأسه و ميكائيل عند رجليه. ____________ (1)نهج البلاغة:الخطبة 3.