( 54 ) إنّ الاستبداد حالة طغيان تجعل الحاكم المستبدّ أن لا يقبل نصيحةً أو انتقاداً فيصير سيّء فعله حسناً في نظـره; كما يخبر بذلك القرآن عن فرعون إذ يقول: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِى صَرْحَاً لَعَلّى أَبْلُغُ الأسْبَابَ *أَسْبَابَ الْسّمَواتِ فَأَطّلِعَ إِلَى إِلهِ مُوسَى وَ إِنّى لأَظُنّهُ كَاذِباً وَ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدّ عَنِ السّبيِلِ ومَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاّ فِى تَبَاب )(المؤمن: 36ـ37). إنّ الحاكم المستبد في الرأي والحكم; يعتقد أنّه يجب على الجميع أن يروا رأيه ويتبعوا فكرته، سواء وافق الدليل أم لا، وسواء طابق المصلحة أم لا، بل يكفي في صحّته ولزوم طاعته أنّه رأي الملك ومشيئته. ولهذا يقول القرآن حاكياً عن لسان فرعون كلامه بعد ما قال موسى: ( يَا قَوْمِ لَكُمُ الملكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِى الأرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأسِ اللّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلاّ مَا أَرَى )( غافر: 29). ويبلغ الاستبداد بالحاكم المتفرّد; إلى أن يستهين بالمجتمع ولا يعتني بأرائه، ويستخفّه، كما فعل فرعون الملك المستبد في مصر آنذاك إذ يقول اللّه عنه: (فَاسْتَخَفّ قَوْمَهُ ). ومن الطبيعي أن يفقد مثل هذا المجتمع ثقته بنفسه وبفكره وبعقله فيطيع الحاكم المستبدّ طاعةً عمياء كما يقول القرآن الكريم معقّباً على هذه الكلمة: ( فَأَطَاعُوهُ إِنّهُمْ كَانُواْ قَوْمَاً فَاسِقينَ)( الزخرف: 54). كما قد يبلغ الاستبداد بالحاكم المستبد إلى أن يرى نفسه أعلى من كلّ الموجودات ويطلب من الناس عبادته كما يعبدون اللّه ويحظر عليهم عبادة غيره، حظراً شديداً ومنعاً باتاً; بحيث لو سوّلت لأحد نفسه أن يعبد غير ذلك الحاكم الطاغي والملك المستبد، أخذه بأشدّ العذاب وأقسى أنواع العقاب بدءاً من السجن وانتهاءً بما هو أشدّ. وهذا هو ما يخبر به القرآن عن فرعون إذ يقول: ( وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَاأَيُّهَا الْمَلأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِله غَيْرِي )(القصص: 38). ( فَحَشَرَ فَنَادَى *فَقَالَ( أي فرعون ) أَنَا
