( 76 ) بقولهم: إنّ عثمان جعل للناس إماماً، فكيف يرى فيه لحناً ويتركه لتقيّمه العرب بألسنتها، أو يؤخّر شيئاً فاسداً ليصلحه غيره ؟! وإذا كان الذين تولوا جمعه وكتابته لم يقيّموا ذلك ـ وهم الخيار وأهل اللغة والفصاحة والقدرة على ذلك ـ فكيف يتركون في كتاب الله لحناً يصلحه غيرهم ! ثمّ إنّ عثمان لم يكتب مصحفاً واحداً بل كتب عدة مصاحف، فلم تأتِ المصاحف مختلفة قطّ، إلاّ فيما هو من وجوه القراءات والتلاوة دون الرسم، وليس ذلك باللحن" (1). والذي يهوّن الخطب في هذه الرواية ومثيلاتها الآتية أنّها برواية عكرمة مولى ابن عبّاس، وكان من أعلام الضلال ودعاة السوء، وكان يرى رأي الخوارج، ويُضرب به المثل في الكذب والافتراء، حتى قدح به الاَكابر وكذّبوه، أمثال ابن عمر ومجاهد وعطاء وابن سيرين ومالك بن أنس والشافعي وسعيد بن المسيب ويحيى بن سعيد، وحرّم مالك الرواية عنه، وأعرض عنه مسلم (2). الثانية: روي عن ابن عباس في قوله تعالى: ( حَتّى تَسْتَأنِسُوا وتُسلّموا ). (النور24:27) قال: "إنّما هو (حتّى تستأذنوا)، وأنّ الاَوّل خطأٌ من الكاتب"(3)، والمراد بالاستئناس هنا الاستعلام، أي حتى تستعلموا من في البيت، فهذه الرواية مكذوبةٌ على ابن عباس ولا تصحّ عنه ؛ لاَنّ مصاحف الاِسلام كلّها قد ثبت فيها (حتى تَسْتَأنِسُوا) وصحّ الاِجماع فيها ____________ (1) روح المعاني 6: 13. (2) أُنظر وفيات الاعيان 1: 319، ميزان الاعتدال 3: 93، المغني في الضعفاء 2: 84، الضعفاء الكبير 3: 373، طبقات ابن سعد 5: 287، تهذيب الكمال 7: 263. (3) الاتقان 2: 327، لباب التأويل 3: 324، فتح الباري 11: 7.