وثالثاً: ان الدين الحنيف الذي فطرت عليه الإنسانية يتميز بكونه ديناً قيماً على الحياة قادراً على التحكم فيها وصياغتها في إطار العام. ذلك ان المسألة الاجتماعية المهمة في تاريخ الإنسان هي التعارض الذي ينشأ بين المصالح الفردية (وهي تؤدى لان يتصور الإنسان لنفسه حقوقاً في الحصول عليها بمقتضى حب ذاته و(المصالح الاجتماعية) التي يطرحها النظام الاجتماعي الذي يعيشه ويفرض عليه (تكاليف) تجاهها باسم (العدالة) وهذا التناقض بين المصالح الفردية والاجتماعية لم يستطع العلم ان يحلّه، فان علم الإنسان لن يقف مطلقاً امام ترجيح مصالحه الشخصية. ولم تستطع المادية التاريخية من خلال قوانينها التاريخية ان تقدم الحلّ ويبقى للدين الحل النهائي لهذا التعارض وتحقيق العدالة وذلك من خلال ربطه بين المصالح الذاتية وسبل الخير إذ يقول القرآن الكريم: (ومن عمل صالحاً من ذكر وانثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة، يرزقون فيها بغير حساب)[129] ويقول: (من عمل صالحاً فلنفسه، ومن أساء فعليها)[130]. وهكذا تتلاحم المصلحة الفردية والمصلحة الاجتماعية و(الحقوق) و(التكاليف) تلاحماً رائعاً ينفي التعارض. يقول المرحوم الشهيد الصدر(قدس سره): «فللفطرة الإنسانية إذن جانبان فهي من ناحية تملي على الإنسان دوافعه الذاتية التي تنبع منها المشكلة الاجتماعية الكبرى في حياة الإنسان (مشكلة التناقض بين تلك الدوافع والمصالح الحقيقية للمجتمع الإنساني) وهي من ناحية اخرى تزود الإنسان بإمكانية حل المشكلة عن طريق الميل الطبيعي إلى التديّن»[131]. * * *
