والمستضعفين للتلهي والتشهي) مثل هذا السلوك يعد سلوكاً وحشياً من قبل اي إنسان بلا ريب والقرآن الكريم احياناً يعيد الإنسان إلى تأمله الوجداني وقناعته الفطرية (أحلّ لكم الطيبات)[133] ويترك امر تعيين الطيبات للإنسان (إنّما حرّم ربّى الفواحش)[134] ويترك امر تعيين الفواحش أيضاً ويعتبر الخروج عن الحالة الإنسانية (فسقاً) وانحرافاً عن الطبيعة (نسوا الله فانساهم انفسهم اولئك هم الفاسقون)[135]. وهكذا ننتهي إلى هذه الحقيقة وهي: ان الأديان تؤمن بالفطرة الإنسانية، وان الفطرة تقرر كون العدالة مطلوباً مطلقاً وكون السلام مطلوباً اذا شكل مصداقاً من مصاديق العدالة وتجلياً لها ومن هنا كان التأكيد الدائم على (السلام العادل) تأكيداً انسانياً صحيحاً. السلام العالمي والموقف منه: قلنا لا ريب في كون الامان مطلباً انسانياً فطرياً يستمد جذوره من أهم غريزة وجدت في فطرة الإنسان، وهي غريزة (حب الذات). وهذه الغريزة تعمل مع باقي الغرائز بشكل متناسق لتحقيق سير إنساني متوازن نحو الأهداف التكاملية العليا للانسان... فلا يكفي وجود الدوافع الغريزية لتأمين المسير المتوازن وإنما يجب تأمين جو طبيعي للذات الفردية وللذات النوعية كي تدفعها تلك الدوافع نحو أغراضها المنشودة. وتأكيداً من الفطرة نفسها على توفير الجوّ الأمن، نجد العناية الإلهية قد غرست فيها بديهيات الحكمة، والميول نحو العدل، والنفور من الظلم والاعتداء، بل ومنحتها القدرة على تعيين الكثير من مصاديق العدل والظلم، مما يمهد لها السبيل للاتصال بالخالق العظيم وتقديم معاني الولاء له، وحينئذ تنفتح لها آفاق الوحي، وتكتشف بذلك الاطروحة السماوية الرحيمة التي تعطيها المخطط الكامل للمسيرة، وتضمن لها كل ما يوصلها إلى أهدافها. فالامن إذن حاجة انسانية دائمة لا تغيّرها الظروف، وليس ظاهرة عرضية حتى يقال، بأنها معلولة لوضع اجتماعي معين إذا ما تبدل تبدلت هذه الظاهرة معه. ومن هنا فمن الطبيعي أن نتصور الحاجة إلى نظام شامل يتكفل حماية الامن الفردي والاجتماعي على
