فإن بعض معاني الاستحسان المذكورة امر مقبول من قبيل القول بانه «العمل بأقوى الدليلين»[182]. فإنه يعني العمل بالدليل الحجة ورفض الدليل الذي لايملك الحجية; فهذا امر صحيح وان كان لايجعل الاستحسان أصلا من اصول الفقه ولكن فسر الاستحسان احياناً بانه «دليل ينقدح في نفس المجتهد لايقدر على التعبير عنه»[183]. او انه «ما يستحسنه المجتهد بعقله» وهذه امور رفضها المسلمون، بل اعتبرها بعض الائمة بدعة; لانها تفتح الباب للآراء غير المستدلة وغير المنضبطة. ولكنها على اي حال افضل من القول بنظرية «القراءات» التي انتهى اليها البحث في الهرمنوطيقيا الحديثة: ذلك ان القائلين بنظرية الاستحسان بالمعنى المذكور يحصرون الأمر باستحسان المجتهدين دون غيرهم ثم يعتبرونه ينقدح بدليل في النفس يلاحظه المجتهد بين الادلة ولكنه لايقدر على التعبير عنه. على ان الاستحسان لديهم لايتم حينما يوجد دليل شرعي قطعي او ظاهر في الموضوع. وعليه فهناك إذن بعض الضوابط التي تميزه عن القراءة في حين نجد ان نظرية القراءات تنفلت عن كل ضابطة فهي تسمح للكل بامتلاك قراءاتهم ولاتطالبهم بأي دليل; بل حتى لو خالفت القراءة قطعاً مراد المتكلم. كما انها لاتمانع في تصحيح كل القراءات حتى لو كانت متناقضة. وبالتالي، فإن هذه النظرية تعبر عن منتهى الفوضى بل وتغلق باب الاستفادة من النصوص الدينية. دراسة ونقد رأينا ان فكرة القراءات امر لاينسجم مع منطقنا الديني وعلومنا الإسلامية ونحن نرى ان آثاره السلبية كثيرة نقتصر منها على ألاهم عبر مايلي: 1. ان فتح هذا الباب يعني القبول بأي تفسير للنصوص الدينية دون المطالبة بالدليل، ودونما محاولة لترجيح رأي على رأي، وبالتالي القبول بالاستحسانات الظنية التي لا أصل لها وهو امر ترفضه التعاليم الإسلامية والثقافة الدينية بل وترفضه كل شريعة
