وهو ما يفسر وقوف الدولة الإسلامية إلى جانب قضايا المستضعفين والمحرومين في الأرض، ومقارعة الظلم والطغيان في كل مكان، حتى لو لم يكن الأمر يمسها من قريب، وعملها على نفي العلاقات الظالمة بين الدول. فليس وقوفنا إلى جانبهم وقوفاً مصلحياً دعائياً، حتى إذا ما تسنّى لنا الأمر ومنحتنا المقادير أزمّتها رحنا نسومهم سوء العذاب، وهو ما نجده من القوى العظمى، شرقيّها وغربيّها وإنما هو موقف مبدئي أصيل، قائم على أساس متين، متى ما خالفناه ـ وفي أية لحظة ـ خرجنا عن الخط الإسلامي القويم، ودخلنا في عداد المستكبرين، الذين يقول فيهم تعالى: (فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا فى الأرض وتُقطّعوا أرحامكم * أولئك الذين لعنهم الله فأصمّهم وأعمى أبصارهم).[214] إنّ القرآن على العكس من ذلك، يعطينا صورة الجماعة المسلمة المتمكنة، بقوله: (الذين إن مكّناهم فى الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور).[215] سادساً: مبدأ تأليف القلوب: وهو مبدأ يمثل ايجابية الشريعة الإسلامية بكل وضوح، كما يعكس واقعيتها في نفس الوقت. ففي الجو الذي يتم فيه تأليف القلوب، تنفتح النفوس للحقيقة، وتتقرب الواقع، والأصل في هذا المبدأ هو: سهم المؤلفة قلوبهم في مصارف الزكاة، حيث فتح هذا مجالاً للعمل المنظم لتحقيق ذلك، عبر الوقوف إلى جانب كل المستضعفين، والدفاع عن قضاياهم، وجلب القلوب إلى الإسلام. ورغم أن الفقهاء يختلفون في مساحة هذه القلوب المؤلفة، وهل تختص بغير المسلمين، أم تشمل المنافقين، أم تعم بعض المسلمين ضعيفي الإيمان، إلا أنّ الذي يبدو من روح الإسلام واتجاهاته الاقتصادية، ومن أقوال فقهاء الشيعة والسنة ـ ومنهم الإمام الخميني القائد ـ أنه مبدأ عام، وأصل يتيح للدولة الإسلامية أن تلحظ المصلحة أينما تكون. ومن هنا فمن الطبيعي أن يشكل عنصراً إسلامياً، له دوره في تحديد العلاقات الدولية،