سبيل الله أحياء وليسوا أمواتاً. فآية البقرة تقول «ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتاً» وآية آل عمران تقول: «ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً» فالأولى تمنع عن القول لهم أنهم أموات والثانية تمنع عن حسبانهم أمواتاً وشتّان، ما بين التعبيرين، فالثانية آكد وأبلغ في إفادة المقصور، فإنّ القول متأخر عن الحسبان طبعاً، فالقرآن يبدو أنه في أول الشوط منع المسلمين عن التقوّل والتلفظ في شأن هؤلاء الذين قتلوا في سبيل الله بأنهم أموات، ثم ترقّى وتجاوز عن ذلك إلى نهيهم عن حسبانهم أمواتاً فقد تدخّل في أعمال قلوبهم بعد أن تدخّل في أقوالهم، أي لا ينبغي بأن يخطر ببال أحد من المؤمنين أنّ الشهداء أموات، فالقرآن راعى حال الناس في التدريج شيئاً فشيئاً إلى تقدير قدر الشهداء حق قدره جريا على ما هو دأب القرآن من التدرج في التشريع عموماً. وهناك فرق آخر بين الآيتين فرغم التصريح فيها بأنهم أحياء بعد نفي الموت عنهم، قال في الأولى: «بل أحياء ولكن لا تشعرون» وفي الثانية «بل أحياء عند ربّهم يرزقون» فالقرآن في أول الشوط اكتفى بأنّهم أحياء مبهماً حالهم بأن عامة الناس لا يشعرون ذلك اي ـ والله أعلم ـ ليسوا أهلاً لذلك بل هناك اشخاص مأهّلين لهذا الشعور أما في الشوط الثاني فبيّن حالهم بأشياء. أولا: بأنّهم «عند ربهم يرزقون»، وفيه تلميح بأنّ حياة الشهداء هذه حياة ربانية معنوية، وليست مادية جسدية، حياة متزوَّدة برزق من عند ربهم لأنهم جالسون على مائدة ربهم، وفي «يُرزقون» بالبناء للمفعول إبهام تكريماً وتعظيماً لهذا الرزق الذي لاشك أنّ الله هو رازقهم، ليذهب ذهن السامع إلى كلّ مذهب ممكن بشأن هذا الرزق الكريم. ثم التعبير بـ «عند ربهم» دون «عند الله» أو لفظ آخر توثيق لعلاقتهم واتصالهم بربهم الذي ربّاهم في الحياة الدنيا بحيث استحقوا لفيض الشهادة في سبيل الله ـ وهو فوز عظيم ـ فربهم بعد الارتحال عن هذه الحياة هو ربّهم في تلك الحياة لا يتركهم سُدى بل يتصدّى لرزقهم ولرشدهم وتقريبهم إلى نفسه حاضرين عنده، فائزين بلقاءه، وبضيافته بنفسه ـ دون ملائكته ـ ايّاهم مباشرة. كما هو مقتضى تقديم الظرف في الآية «عند ربّهم يرزقون» قال في المنار: «فهذه
