كانت قبل أن يُفرّق الاستشهاد بينهما، وهذه مظهر من مظاهر الحياة الطيّبة لهم جميعاً، حياة الأخوّة والمودّة والوفاء والسخاء والاتّباع والاقتداء والثبات. في المنار([191]): قال الاستاذ الإمام: «إنّما قال: «من خلفهم» للدلالة على أنهم وراءهم يقتفون أثرهم ويحذون حذوهم قَدَماً بقدم، فهو قيد فيه الخبر والحث والترغيب والمدح والبشارة، وهو من البلاغة بالمكان الذي لا يُطاوَل». ورابعاً: تظهر هذه العلاقة بينهما باستبشارهم بعاقبة أمرهم من قبل الفريق الأول وتلقّي هذه البشارة من قبل الفريق الثاني بالقبول فبينهما اتصال روحي بهذه البشارة، كما كانت في المعركة حيث كانوا يستبشرون جميعاً ويبشّر أحدهما الآخر، بالنصر والفتح القريب، فهذه الحالة باقية مستحكمة بينهم سوى أن موضع البشارة كان حين ذاك النصر والفتح فتُبدَّل إلى نفي الخوف والحزن عنهم كما يأتي: 3ـ «أن لا خوف عيهم ولا هم يحزنون» قال في المنار([192]): «بدل اشتمال من الذين لم يلحقوا بهم أي يستبشرون بهم من حيث أنّه لا خوف عليهم فالخوف والحزن على هذا منفيّان عن الذين لم يلحقوا بهم. أو الباء للسببية والمعنى: بسبب أنّه لا خوف عليهم... وحينئذ يحتمل أن يكونا منفيّين عنهم انفسهم، أي انّ الفرح والاستبشار يكونان شاملين لهم بحالهم وبحال من خلفهم من إخوانهم، بسبب انتفاء الخوف والحزن عنهم هم حيث هم، كما يحتمل أن يكون المراد نفيهما عن الذين لم يلحقوا بهم أيضاً. والمختار عندي أن المراد بنفي الخوف والحزن نفيهما عن الذين لم يلحقوا بهم ممن قاتل معهم ولم يُقتل، وأنّ الآية الآتية مفسّرة لذلك.