إظهار الحق، حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله، ثم الصالحون الذين صرفوا أعمارهم في طاعته وأموالهم في مرضاته. ولك أن تقول: المنعم عليهم هم العارفون بالله، وهؤلاء إما أن يكونوا بالغين درجة العيان، أو واقفين في مقام الاستدلال والبرهان، والأولون إما أن ينالوا مع العيان القرب بحيث يكونون كمن يرى الشيء قريبا، وهم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، أولا فيكونون كمن يرى الشيء من بعيد، وهم الصديقون، والآخرون إما أن يكون عرفانهم بالبراهين القاطعة، وهم العلماء الراسخون الذين هم شهداء الله في أرضه، وإما أن يكون بأمارات وقناعات تطمئن إليها نفوسهم، وهم الصالحون([118]). وقد أتينا بكلام البيضاوي على طوله لأن فيه بيانا لسياق الآية وللمناسبة بين الشهداء والذين أردفهم الله إياهم من الأنبياء والصديقين والصالحين، فإن ذلك ربما يلقي ضوءً أكثر على ما هو المَعنيّ بالشهداء. فرأينا البيضاوي يفسر الشهداء تارة، بالذين أدّى بهم الحرص على الطاعة والجدّ في إظهار الحق، حتى بذلوا مهجهم في إعلاء كلمة الله، وأخرى بالعلماء الراسخين الذين هم شهداء الله في أرضه. وأما الإمام الفخر الرازي فبعد أن نفى أي فضل في من قتله الكفار قال: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم في قوله:
