الشهادة في سبيل الله معنى حادث للشهيد: ومن هنا يتداعى بالذهن أن هذا المعنى للشهيد لم يكن في أصل اللغة ولا معروفاً عند العرب قبل الإسلام وأنه اصطلاح إسلامي، وشعار حماسي للحثّ على الجهاد في سبيل كلمة التوحيد والتضحية دونها، لإعلاء راية الحق في العالم وبسط دعوة الإسلام بين الأمم، فاختير لهذا المعنى الرمزي المقدّس لفظ الشهادة والشهيد في القرآن الكريم أو في كلام الرسول العظيم، وأنّ كل ما جاء في كتب اللغة تعبير عن هذا المعنى الحادث، وما جاء في كلام المفسرين من حمل كلمة «الشهداء» في الآيات الثلاث التي بحثنا عنها آنفاً، على القتلى في سبيل الله، إنّما هو لأنسهم بهذا المعنى في الحقل الإسلامي، غافلين عن عدم شيوعه قبل الإسلام، فإنهم لم يدعموا رأيهم هذا بشاهد من لغة العرب، اللهمّ إلاّ بأحاديث عن الرسول. على أنه لم تتفق كلمتهم أيضا على هذا المعنى في شيء من الآيات كما علمت. وعليه فيطرح علينا هذا السؤال نفسه: متى حدث هذا المعنى؟ وما هي المناسبة بين القتلى في سبيل الله، وبين ما ثبت من معاني الشهادة في اللغة، وفي الكتاب والسنّة؟. وقد فتح الباب وشق الطريق أمامنا الشيخ أبو القاسم السُهيلي (508 ـ 581 هـ) في كتابه القيّم «الروض الأنف»، وهو شرح مستوفي لسيرة ابن هشام (م213هـ) التي هي بدورها تحرير لكتاب المغازي لمحمد بن إسحاق بن يسار (م151 هـ)، للإجابة عن هذا السؤال بِشقَّيه فقال: هم الذين سماهم الله شهداء بقوله (ويتخذ منكم شهداء) وهذا الاسم مأخوذ من الشهادة أو المشاهدة، فإن كان من الشهادة فهو شهيد بمعنى مشهود، أي مشهود عليه ومشهود له بالجنة. أما
