كقوله: (إمرأة علية رحيمة) ونحو ذلك، فدل على أن الشهيد مشهود له ومشهود عليه، وهذا استقراء من اللغة صحيح واستنباط من الحديث بديع([142]). ولنا أن نُلقي ضوء على ما قاله ونضيف إلى ما ذكره من ناحية اللغة أنه ليس في صيغ الأفعال المشتقة من مادة (الشهادة) سواء المجرد أو المزيد فيه ما يُفيد القتل في سبيل الله إلاّ صيغتان مجهولتان كما في القاموس وسائر المعاجم، وهما (أُشهد) من باب الإفعال و(استُشهد) من باب الاستفعال. وهذا عندنا ليس أجنبياً عن سرّ إطلاق الشهيد على القتيل في سبيل الله، ولاعما أفاده السُهيلي، فإننا نلاحظ الفعل المعلوم لهذين الفعلين المجهولين فنرى أنّ معنى أشهد : جعله يشهد أو يُقر كما قال تعالى: (وأشهدهم ألست بربكم قالوا بلى)([143]). فأُشهد المجهول معناه من جُعِل شاهدا، فإن الشهيد بتضحيته في سبيل الله قد جعله الله شاهدا على الحقّ أو مُقراً به: وهذا يوافق تماما قوله تعالى: (ويتخذ منكم شهداء) وكذلك يقال: استشهده على كذا: أي طلب منه الشهادة عليه، والشهيد هو المُستشهَد الذي طُلب منه ليكون شاهدا، وعليه فنحن نُرَجّح أن يكون لفظ الشهيد بمعنى المفعول لبابي الإفعال والاستفعال من مادة (الشهادة) دون المجرد منهما، وهذا لا ينافي كونه في نفس الوقت بمعنى الشاهد أيضا، فإن الشهيد على هذا، جُعل شاهدا وطُلب منه أن يكون شاهدا، فيكون مرجع الصيغتين شيئاً واحداً مع زيادة في صيغة (استُشهد) وهي إفادتها أنه جُعل شاهداً باختيار منه وأن ذلك طُلب منه فأجاب. وهذا
