[ 133 ] الكلمة التاسعة والعشرون قوله عليه السلام: إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه اقول: المقصود من هذه الكلمة الحث على الفضيلة التى تمسى عفوا وتسمى في عرف العلماء مسامحة وهى بالحقيقة ترك بعض ما يجب بالارادة والاختيار ولاشك ان هذه الفضيلة مستلزمة لكثير من الاخلاق الفاضلة كالسخاء والنبل والسماحة وكذلك هي مستلزمة لفضائل اخرى من باب الشجاعة كالملكة المسماة بالحلم فان نفس صاحب العفو تكون مطمئنة خالية عن الشغوبة بحيث لا يحركها الغضب بسهولة وكاحتمال الكد فان استعمال النفس للعفو مرة ومرة يدل على ان لها قوة تستعمل بها الات البدن في الامور الحسنة (1) بالتمرين وحسن العادة الى غير ذلك من الفضائل، وانما علقه عليه السلام بالقدرة لان ظهور فضيلة العفو للنفس انما يتحقق بعد تحقق القدرة بحسب اعتقاد العافى انه متى شاء العقوبة كان متمكنا منها سواء كان ذلك التمكن حاصلا في نفس الامر أو ليس، واما قبل ذلك الاعتقاد فلا يتحقق العفو إذ لم يكن في هذه تاركا لبعض ما هو واجب له لعدم تحقق وجوب الانتقام، واما الامر له بجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه فلان القدرة التى وهبها الله تعالى له نعمة عظيمة والشكر على النعمة واجب وان كانت هذه القضية ليست باولية بل من المشهورات المحمودة والتأديبات الصلاحية التى توافقت عليها الشرائع وتطابقت عليها اراء الخلق في اصلاح معاشهم ومعادهم ومع ذلك فان للشكر وخاصة للمنعم المطلق اثر عظيما إذ هو من الاسباب القوية في اعداد القوة العقلية بالمداومة عليه لقبول اثار الرحمة وتأهلها لاستنزال (2) المطلوبات بالابتهالات وصالح الادعية وإذا كان كذلك ________________________________________ (1) - ج د: " الحسية ". (2) - ج د: " لا شتراك ". ________________________________________