[ 134 ] فينبغي من العاقل إذا قدر على عدوه ان يعلم ان الشكر كما يكون معد للنفس لقبول الخيرات المذكورة كذلك العفو فانه مستلزم للفضائل التى ذكرناها وبها تحصل على الخيرات الدائمة فلذلك أطلق عليه السلام لفظ الشكر عليه لمكان المناسبة فكما ان تلك الخيرات يجب ان يجتهد في تحصيلها بالشكر الذى بينا كيفية حصولها عنه كذلك يجب ان يجتهد في تحصيل الفضائل التى يستلزمها العفو بالمداومة عليه مرة ومرة حتى تظهر تلك الفضائل التى تلزمها عن النفس، فان اقام العافى عفوه مقام شكر الله تعالى على اقداره على عدوه فنعم العوض، وان جمع بينهما كان أجمع لطريق الخيرات وذلك هو المراد من قوله " فاجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه " اي عوضا من الشكر فان حقيقة العفو ليست نفس الشكر، والله ولى التوفيق. الكملة الثلاثون قوله عليه السلام: البخيل مستعجل الفقر يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الاخرة حساب الاغنياء. اقول: قد عرفت حقيقة البخل واقسام البخلاء وقد ذكر عليه السلام ههنا للبخيل ثلاثة احكام: الاول - انه مستعجل للفقر وبرهانه ان الاستعجال هو طلب الشئ الذى لابد من وقوعه وذلك الطلب اما ان يكون طلبا اراديا ذاتيا، أو طلبا عوضيا عارضا بسبب الاخلاق الردية، ولما كان الفقر لابد من وقوعه للبخيل بسبب انتقال ملكه الى احد شريكيه كما قال عليه السلام: لكل امرئ في ماله شريكان، الوارث والحوادث (1) كانت غاية ذلك عدم الانتفاع بالمال وعدم تصريفه فيما ينبغى من وجوهه، وكانت هذه الغاية حاصلة في حق البخيل في مدة وجوده بحسب اقتضاء اخلاقه الردية لها لا جرم كان مستعجلا للفقر. ________________________________________ (1) - ا: " والحادث ". ________________________________________