[ 28 ] الاعتبار كان كمالا والثانى كونه مؤثرا وبهذا الاعتبار كان خيرا وانما قلنا: من حيث هو كذلك، لان الشئ قد يكون كمالا وخيرا من جهة دون جهة واللذة بالشئ انما يكون من جهة كونه كمالا وخيرا فلذلك وجب ذكرها، وانما قلنا: ولاشاغل لان اللذيذ قد يصل ولا يلتذ به لوجود الشاغل كما في حق الممتلئ من الطعام جدا اذلا يلتذ بما يحضره من طعام، وقولنا: ولا مضار لان الذى قد يصل ولا يلتذ به لوجود ضده كما في عليل المعدة ومن تغيرت عذوبة رطوبة ذوقه بغلبة المرارة فان الحلو يصل إليه فلا يلتذ به وإذا عرفت معنى اللذة عرفت ان الالم ما يقابلها وهو ادراك لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر من حيث هو كذلك ولا شاغل ولا مضاد للمدرك وشرح هذا الرسم بين من الاول. البحث الثالث في اثبات اللذة العقلية للنفوس الانسانية لاشك ان للجوهر العاقل منا كمالا (1) وهو ان يتمثل فيه جلية (2) الحق الاول بقدر ما يستطيعه إذ تعقل الاول كما هو غير ممكن الا له (تعالى) ثم ما يتجلى له من صور معلولاته المرتبة الى آخر الوجود تمثلا يقينيا بريئا عن شائبة الظنون خالصا عن مخالطة الاوهام على وجه لا يكون بين ذات العاقل وبين ما يتمثل فيها تمايز اصلا بل يصير عقلا ________________________________________ (1) - مأخوذ مما ذكره ابن سيناء في النمط الثامن من كتا ب الاشارات ونص عبارته: " تنبيه - كل مستلذ به فهى سبب كمال يحصل للمدرك وهو بالقياس إليه خير ولاشك في ان الكمالات وادراكاتها متفاوته (الى ان قال) وكمال الجوهر العاقل ان يتمثل فيه جلية الحق الاول قدر ما يمكنه ان ينال منه ببهائه الذى يخصه ثم يتمثل فيه الوجود كله على ما هو عليه مجردا عن الشوب مبتدءا فيه بعد الحق الاول بالجواهر العقلية العالية ثم الروحانية السماوية والاجرام السماوية ثم بعد ذلك تمثلا لا يمايز الذات فهذا هو الكمال الذى يصير به الجوهر العقلي بالفعل (الى ان قال) فنسبة اللذة العقلية الى الشهوانية نسبة جلية الاول وما يتلوه الى نيل كيفية الحلاوة (الى آخر ما قال) ". (2) - نذكر معنى الجلية عن قريب في موضع انسب ان شاء الله تعالى. ________________________________________
