[ 64 ] يطلق حقيقة على اللحمة المخصوصة الموجودة في الفم ويقال مجازا على نفس العبارة كما اشير إليه في التنزيل الالهى: واختلاف الستنكم والوانكم (1) والمعنيان محتملا الارادة وتقدير - الخبر: معرفة المرء مخبو تحت لسانه لان نفس حقيقه المرء لا يظهرها العبارة واعلم انه لما كان الانسان ليس عبارة عن مجرد هذا البدن المحسوس بل لابد في تحقق الانسان من امر اخر كما علمت قبل وكان لا ينفك ذلك الامر عن ان يكون موصوفا بصفة كمال أو صفة نقصان وكان ذلك الجزء منه وما يصحبه من الصفات الكمالية والنقصانية مستورا لا يطلع عليه (2) احد من ابناء نوعه بشئ من الحواس، إذ كان غير محسوس بل لابد في الاطلاع عليه بحسب العقل من دليل يوضح تحققه لاجرم صدق عليه انه مستور مخبوء. ثم ان العناية الالهية اقتضت ان يكون له قوة نطقية معربة عن تلك الصفات بحسب الالتزام كاشفة لستر الجهل بها عن بصائر المبصرين وضمائر المختبرين فلا جرم صدق ان المرء مخبوء " تحت " لسانه، والمقصود من جهة " تحت " انما هي الجهة الوهمية لا المكانية وانما خصصها بجهة " تحت " لان العبارة التى هي المقصود من وضع اللسان لما كان سببا يكشف لذلك الستر ويظهر معرفة المرء من خباء الجهل به الى ظاهره بالانتقاش في اذهان المختبرين وكان السبب اعلى من المسبب لاجرم كان المسبب الذى هو المعرفة تحت سببه الذى هو اللسان المشار إليه. وان حملنا اللسان على حقيقته كان ايضا حسنا فان هذه اللحمة المخصوصة لها سببية في تلك المعرفة واظهارها فانها محل العبارة فهى سبب معدلها وباقى التقرير بحاله، وهذه نكتة لطيفة في باب الاستعارة وهى قطرة من بحر اسرار كلامه عليه السلام فانظر الى عناية الله كيف خصته بهذا القوة القديسة الشريفة البالغة تقريرا وبيانا لقوله تعالى: يؤتى الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد اوتى خيرا كثيرا وما يذكر الا اولوا الالباب (3). ________________________________________ (1) - من آية 22 سورة الروم. (2) - ب ج: " عليها ". (3) - آية 269 سورة البقرة. ________________________________________