[ 67 ] واما الفخر بالنسب فغاية ما يدعيه المفتخر المتشرف به إذا كان صادقا ان آباءه واسلافه كانوا قد جمعوا الفضائل وحصلوا على الكمالات التى بها الفخر والشرف لكن انظر إليه لو حضر اسلافه وقالوا: الفضل الذى تدعيه فينا هو لنا دونك فنحن مستبدون به فما الذى فيك منه مما ليس في غيرك ؟ فانك تجده حينئذ مفحما مسكتا خجلا غير حاصل على شئ، واليه الاشارة بقوله عليه السلام: لا تأتوني بأنسابكم وائتوني بأعمالكم. وحكى عن مملوك كان لبعض الحكماء انه افتخر عليه بعض رؤساء زمانه فقال له المملوك: ان افتخرت على بفرسك فالحسن والفراهة للفرس لالك، وان افتخرت ببزتك (1) وآلاتك (2)، فالحسن لهما دونك، وان افتخرت بأبائك فالفضل كان لهم (3) دونك، فإذا كانت المحاسن والفضائل كلها خارجة عنك وانت منسلخ منها وقد رددناها على اهلها بل لم تخرج عنهم حتى ترد إليهم (4) فانت من ! ؟ (5) وحكى عن بعض الحكماء انه دخل على بعض الاغنياء وكان يحتشد في الزينة (6) ويفتخر بكثرة ماله وآلاته وحضرت الحكيم بصقة فتنخع بها والتفت في البيت يمينا وشمالا فوجد البيت كله مزينا بالالات المستحسنة فلم يجد لها موضعا فبصق في وجه صاحب البيت، فلما عوتب على ذلك قال: نظرت الى البيت وجميع ما فيه فلم اجد اقبح منه فبصقت عليه، وهذا يكون استحقاق الخالين (7) من الفضائل النفسية المفتخرين بالامور الخارجية الوهمية، شعر: من كان مفتخرا بالمال والنسب * فانما فخرنا بالعلم والادب لاخير في رجل حر بلا ادب * لاخير فيه ولو يمشى على الذهب ولهذا السر صدق عليه السلام في مقاله الصادر عن كماله: الشرف بالعقل والادب لا بالحسب والنسب. ________________________________________ (1) - ج: " بنزلك " د: " بمنزلك ". (2) -: " وبالائك ". (3) - ا ب: " فيهم ". (4) - ب ج د: " عليهم ". (5) - كذا في النسخ: وكان القياس ان يقال: من انت ؟ فكأنه كان اصطلاحا خاصا مستعملا في مقام التحقير هكذا. (6) - ج د: " يحتسد في الرتبة ". (7) - ج د: " استخفاف الحالين " ________________________________________
