[ 86 ] للكاهن اتصال ويكون لمح الغيب، تارة بضرب من الظن القوى، وأخرى بجنى خطاف (1) اوهاتف لا يرى (2). واذ قد بان لك ان الكهانة ضرب من تلقى المغيبات فنقول: ان ظن العاقل في اغلب احواله يكون بحسب نظره في الامارات الصادقة الكثيرة فتتعود نفسه بالاستعداد بذلك لسرعة الانتقال من المبادئ الى المطالب، وقد يكون العاقل ذا قوة قدسية فيكون استعداده اتم واقوى فيكاد يخطئ، اولا يكون ظنه مطابقا، ________________________________________ (1) - اشارة الى قوله تعالى: " الا من خطف الخطفة، الاية " (سورة الصافات، 10). (2) - اعلم ان للشارح (ره) كلاما نفسيا في بيان معنى الكاهن والساحر ذكره في شرح نهج البلاغة في شرح قول امير المؤمنين (ع): " فانها تدعوا الى الكهانة " فمن اراده فليراجع الكتاب (ص 195 - 194 من الطبعة الاولى). فليعلم ايضا ان الشارح (ره) يشير بما قال هنا الى ما ذكره ابن سيناء في اشارة من اشارات اواخر الشفاء فلا بأس بذكر كلامه وهو قوله: " اشارة - انه قد يستعين بعض الطبائع بافعال يعرض منها للحس حيرة وللخيال وقفة فتستعد القوة المتلقية للغيب تلقيا صالحا وقد وجه الوهم الى غرض يعينه فيتخصص بذلك قوله مثل ما يؤثر عن قوم من الاتراك انهم إذا فزعوا الى كاهنهم في تقدمة معرفة فزع هو الى شد حثيث جدا فلا يزال يلهث فيه حتى يكاد يغشى عليه ثم ينطق بما يخيل إليه والمستمعة يضبطون ما ينطق له ضبطا حتى نبهوا عليه تدبيرا ومثل ما يستنطق في هذا المعنى بتأمل شيئ شفاف مرعش للبصر برجرجته أو مدهش اياه بشفيفه، ومثل ما يشغل بتأمل لطخ من سواد براق، وباشياء تترقرق وباشياء تمور فان جميع ذلك ما يشغل الحس بضرب من التحير، ومما يحرك الخيال تحركا محيرا كأنه اجبار لاطبع، وفى حيرتهما احتيال فرصة الخلسة المذكورة، واكثر ما يؤثر هذا ففي طباع من هو بطباعه الى الدهش اقرب وبقبول الاحاديث المختلطة اجدر كالبله من الصبيان، وربما اعان على ذلك الاسهاب في كلام المختلط لمسيس الحس وكل ما فيه تحيير وتدهيش فإذا اشتد توكل الوهم بذلك الطلب لم يلبث ان يعرض ذلك الاتصال فتارة يكون لمحان الغيب ضربا من ظن قوى، وتارة يكون شبيها بخطاب من جنى أو هتاف من غائب، وتاره يكون مع تراء من شئ للبصر مكافحة حتى يشاهد صورة الغيب مشاهدة". ________________________________________