ناشطة اسلامية ايرانية : استعادة الوحدة وتعزيز هوية الأمة رهن بعمل جماعي منسجم وقائم على قيم النبي الاكرم (ص)

ناشطة اسلامية ايرانية : استعادة الوحدة وتعزيز هوية الأمة رهن بعمل جماعي منسجم وقائم على قيم النبي الاكرم (ص)

قالت الاستاذة الجامعة والناشطة الدولية الايرانية الدكتورة زهراء سلامي : إن استعادة الوحدة وتعزيز هوية الأمة الإسلامية يتطلبان منا كمسلمين عملًا جماعيًا منسجمًا على كافة الأصعدة؛ الثقافية، والسياسية، والاجتماعية، مستندين في ذلك إلى قيم نبينا الكريم (ص) وأهدافه السامية في توحيد كلمة المسلمين والعمل على رفعتهم وكرامتهم.


الدكتورة سلامي، قالت ذلك في مقال لها خلال الندوة الافتراضية للمؤتمر الدولي الـ 39 للوحدة الاسلامية والتي عقدت برعاية المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

واضافت هذه الناشطة الاسلامية الايرانية : على صعيد القضية الفلسطينية، يجب توحيد المواقف ودعم المقاومة الشرعية التي تمثل إرادة الشعب الفلسطيني في صموده وحقوقه، مع العمل على كسر الحصار الظالم عن غزة، وتحريك القضية في المحافل الدولية لاستعادة الحقوق المغتصبة، وصولًا إلى تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

كما نوهت بحلول اسبوع الوحدة الاسلامية (12 الى 17 ربيع الاول 1447 هـ حيث الذكرى السنوية لمولد النبي الاكرم محمد ابن عبد الله صلى الله عليه واله وسلم وفق رويات اهل السنة والشيعة) ، مؤكدة بانه "في هذه الأيام المباركة يجب ان نجدد العهد على التمسك بالقيم النبيلة التي أسس لها الرسول (ص)، والتي كان لها الدور الأبرز في تحديد هويتنا كأمة إسلامية جامعة متماسكة، تحمل رسالة الوسطية والعدل والرحمة.

وفيما يلي نص مقال الدكتورة سلامي خلال هذه الندوة : -
 
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم/
بسم الله الرحمن الرحيم/

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد الذي جاء رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه المنتجبين.

في هذه الأيام المباركة التي نستذكر فيها مولد النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، نجدد العهد على التمسك بالقيم النبيلة التي أسس لها، والتي كان لها الدور الأبرز في تحديد هويتنا كأمة إسلامية جامعة متماسكة، تحمل رسالة الوسطية والعدل والرحمة.

ومع حلول أسبوع الوحدة الإسلامية، نأتي تذكيرًا بأهمية ترسيخ مبادئ الوحدة التي دعا إليها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم، بقوله : [المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا].

أما محور البحث فهو هوية الأمة الإسلامية وتحديات وحدة الأمة في العصر الحاضر.
هذه الوحدة ليست خيارًا، بل ضرورة محورية تعزز تماسك الأمة وتؤهلها لمواجهة مختلف التحديات التي تعصف بها في عصرنا الراهن.

لقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نموذجًا للبصيرة والإخاء، حيث حث على تجميع الكلمة وتوحيد الصفوف، مؤكدًا أن عزّة الأمة الإسلامية تعتمد على وحدتها وتعاونها في مواجهة القوى المعادية.

ولا ينبغي أن تُفهم الوحدة على أنها مجرد مطلب اجتماعي أو سياسي، بل هي جوهر الهوية الإسلامية وروحها التي توفّر عليها القوة والعزة والازدهار.

إن هوية الأمة الإسلامية هي مجموعة الخصائص والقيم المشتركة التي تعرّف المسلمين كأمة واحدة في إطار الدين الإسلامي، وتشمل هذه الهوية الإيمان بالمبادئ والعقائد الإسلامية، والانتماء الثقافي والتاريخي والاجتماعي للمجتمع المسلم، والشعور بالانتماء إلى مصير مشترك.

ترتكز هوية الأمة الإسلامية على تعاليم الدين الإسلامي، ومن بينها التوحيد ووحدة الأمة تحت راية القرآن والسنة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، والتاريخ المشترك لعصر صدر الإسلام؛ وقد تعززت هذه الهوية عبر التاريخ من خلال الشعائر الدينية، واللغة العربية كلغة القرآن، والعلاقات الثقافية والسياسية بين المسلمين.

فإذا قمنا بتحليل مفهوم الهوية الإسلامية التي تشكل الإطار العام الذي يستند إليه الفكر والسلوك الجماعي للأفراد في المجتمع، سنعرف أن هذه الهوية ليست جامدة أو محدودة، بل هي كيان متجدد ينبثق من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، ويجتمع حولها تراث حضاري غني بلغات متعددة، ولا سيما العربية الفصحى التي تُعد وسيلة التواصل الأساسية بين المسلمين عبر العصور.

إن الوحدة الإسلامية ليست هدفًا فحسب، بل هي استراتيجية حيوية تواكب تحولات العصر، وتضمن للأمة استمرار دورها وتأثيرها السياسي والاجتماعي والاقتصادي.

ومع ذلك، فإن أمتنا تواجه اليوم تحديات جسيمة، من بينها التدخلات الخارجية، وتداخلات الغرب، وغطرسة الاستكبار، والنزاعات المسلحة، والصراعات الفكرية التي تهدد تماسكنا؛ ولعل من أبرز هذه التحديات هي الحرب على غزة، لأن قضية فلسطين قضية الأمة الإسلامية وقضية العالم الإسلامي.

وفلسطين تمثل مركزًا حيويًا لهويتنا القومية والشعبية والدينية؛ الشعب الفلسطيني، وخصوصًا في قطاع غزة، يعاني من شراسة لا توصف، حيث بلغت الوحشية الإسرائيلية حدودًا غير مسبوقة، وأصبح التجويع سياسة ممنهجة في حرب تهدف إلى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وقوته.

تتجاوز هوية الأمة الإسلامية، من أن تكون مجرد عنوان سطحي أو شعار عابر، فهي كيان حي ينبض في وجداننا عبر أزمنة متعاقبة وأمكنة شتى؛ فالدين الإسلامي بأحكامه ومبادئه هو اللبنة الأساسية لهذه الشجرة العظيمة التي امتدت جذورها في التربة التاريخية والروحية الضاربة في عمق الحضارة الإنسانية.

فلنتأمل معًا كيف كان القرآن الكريم، الذي لم يكن مجرد كتاب يُوضع على الرفوف، بل الرابط الروحي واللغوي الذي جمع قلوب الصحابة في عهد النبوة على لسان عربي مبين، وعلى لسان عربي فصيح ليغمرهم بنور التوحيد، ويقوّي معنوياتهم، ويرسخ أواصر الأخوة بينهم، ويضع أسس العدالة والرحمة كأساس لأخلاقهم وممارساتهم.

أما اللغة العربية، فهي وحّدت أكثر من مليار مسلم حول مصحف واحد، وما تزال تعكس أسمى تجليات الهوية الإسلامية في الفكر والعبادة والتواصل.

أيها الإخوة والأخوات، ليست الوحدة مجرد غاية معنوية، بل هي جسر العبور الأساسي إلى مستقبل مزدهر، فهي تمثل قوة مادية واقتصادية وسياسية لا يمكن لأمتنا الاستغناء عنها في عالم يتسم بالتحديات والمنافسات الشديدة.

عبر التاريخ، شهدنا مثالًا واضحًا حين اجتمعت القبائل الإسلامية تحت راية النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ليبدأ مسار الإصلاحات الاجتماعية والتعديلات السياسية العميقة التي أوصلت إلى بناء حضارة عظيمة امتدت من الأندلس حتى الهند، ولا يزال تأثيرها مستمرًا وراسخًا إلى يومنا هذا.

غير أن الانقسامات والصراعات التي شهدناها في العصور اللاحقة أدت إلى تراجع مكانة أمتنا، خاصة في المجالات الاقتصادية والسياسية، مما أضعف موقعها في الساحة الدولية.

ولا يمكن التغاضي عن أثر هذا الضعف عندما نرى كيف تُهمل القضية المركزية في وجداننا، وهي قضية فلسطين، ضمير المسلمين وروحهم؛ حيث يتوارى بعض القادة في الدول الإسلامية عن دعم المقاومة، ويتركون غزة وحدها تواجه العدوان، مما يُعد أحد أبرز أسباب ضعف الوحدة الإسلامية.

تواجه أمتنا اليوم تحديات متعددة وشاملة، لكل منها أثره الكبير والمقلق؛ في بعض الدول الإسلامية كاليمن وليبيا، وحتى بشكل آخر في سوريا، تستمر النزاعات المسلحة التي لا تقتصر على صراعات داخلية فقط، بل تتشابك مع تدخلات دولية تسعى لاستغلال الانقسامات وتحقيق مصالح ضيقة، مما يزيد من تعقيد المشهد ويضعف التماسك الوطني.

كما تشكل التحديات الفكرية خطرًا خفيًا على الوحدة من الداخل، فقد ظهر التطرف الذي يشوه جوهر الإسلام المعتدل، ويهدد روح الأخوة الإسلامية، بعيدًا عن القيم الوسطية التي كانت دائمًا من أبرز رسالات نبينا الكريم.

وعليه فإن استعادة وحدة الأمة وتعزيز هويتها الإسلامية يتطلب منا جهدًا جماعيًا متكاملًا يدمج البعد الفكري والثقافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي؛ فالتضامن الحقيقي بين الدول والشعوب الإسلامية هو الركيزة الأساسية التي يمكن أن تؤسس لانطلاق حركة استنهاض شامل.

وفي هذا السياق، لا بد من إعادة بناء آليات التعاون المشترك التي تؤسس لاقتصاد قوي قائم على التكامل وليس التناحر، وإرساء بيئة ثقافية تعزز من الحوار وترفض التطرف، بالإضافة إلى رؤية سياسية واضحة تستند إلى القيم الإسلامية الجامعة، وتراعي مصالح الأمة على المدى البعيد.

وعلى صعيد القضية الفلسطينية، يجب توحيد المواقف ودعم المقاومة الشرعية التي تمثل إرادة الشعب الفلسطيني في صموده وحقوقه، مع العمل على كسر الحصار الظالم عن غزة، وتحريك القضية في المحافل الدولية لاستعادة الحقوق المغتصبة، وصولًا إلى تحقيق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

لا يمكن لأمتنا أن تنهض دون دور فاعل للمؤسسات الأكاديمية والفكرية والثقافية، فهذه المؤسسات هي مصادر الفكر التي تزود الأمة بالأفكار النقية، وتبني جيلًا واعيًا لقضايا أمته، وقادرًا على الانخراط في مواجهة التحديات المعاصرة.

كما ينبغي للإعلام الإسلامي أن يعمل على توحيد الخطاب وتصحيح الصورة الحقيقية للإسلام، بعيدًا عن التشويه والتطرف، كما يتحمل مسؤولية تعزيز قيم الوحدة والرحمة في نفوس الجمهور.

وختامًا، إننا على مفترق طرق يتطلب منا وقفة جادة وعميقة تعيد الروح إلى جسد الأمة، وتحيي هويتها، وتعزز وحدتها؛ فلا عزّة لنا إلا بوحدتنا، ولا خير إلا بتضامننا، ولا أمل لنا إلا بالإيمان الثابت والعمل المشترك.

جاء في الآية القرآنية : [واعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا]، فلنستلهم من هدي نبينا الكريم محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وننطلق معًا نحو غدٍ مشرق، تحمل فيه أمتنا رسالة السلام والعدل والرحمة للعالم.

نعم، إن استعادة الوحدة وتعزيز هوية الأمة الإسلامية يتطلبان منا عملًا جماعيًا منسجمًا على كافة الأصعدة : ثقافية، وسياسية، واجتماعية، مستندين في ذلك إلى قيم نبينا الكريم وأهدافه السامية في توحيد كلمة المسلمين والعمل على رفعتهم وكرامته.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.