تأسيس مبادئ مواجهة المعرفية للتفرقة التكفيرية

تأسيس مبادئ مواجهة المعرفية للتفرقة التكفيرية

الحوار التكاملي وتأسيس لمسار التقريب بين المذاهب الإسلامية

(تأسيس مبادئ مواجهة المعرفية للتفرقة التكفيرية)

 

طاهر شريف

 

مقدمــــــــة :

          يتعلق البحث المراد تدوينه في هذه الورقات بقضية هي من أمهات القضايا التي تراود الممارسة الفلسفية في عصرنا، والمتعلقة أساسا بالحوار، حيث أضحى الإنسان المعاصر يعيش عزلة عن أخيه الإنسان بفعل وسائل الترفيه الكثيفة التي تفصله عن التفاعل المباشر مع أخيه الإنسان، فحتى أدوات التواصل التي أقامتها التكنولوجيا المعاصر لم تنجح في وصل الإنسان بأخيه الإنسان، لأنها اختزلت تواصل الانسان في حدود تقنية جامدة تقتل كل أشكال الحميمية والارتباط الممتلئة بحرارة التواصل الإنساني بكل تركيباته وتعقيداته.

          وأما في مجال المذاهب الإسلامية فالضرورة لا تخفى على أي عاقل، ينشد الحقيقة ويبرأ من الزيف، ففي زمن الفتنة الذي يكثر فيه الاقتتال تختبئ السياسة وراء الإعلام، حيث تعمل عمل تزييف الوعي تارة بخلق اشكال من النقاشات حول المذاهب الإسلامية ليس الهدف منها كشف الحقيقة أو التعرف على ما لدى الآخر من معارف يمكن التكامل معها، بل هو عبارة عن مراء الهدف منه إعلاء صوت المذهب على واقع الحقيقة، وتجسيد الاستعلاء بدلا من التكامل مع الآخر، وتكريس تضخم الأنا بدلا تهذيبها، فسادت نقاشات هي اقرب الى صراع الديكة منه إلى حوار العقلاء.

          من هنا آن للفكر الفلسفي الإسلامي أن يؤسس لمنطق حواري تتكامل فيها المذاهب الإسلامية بدلا من التصارع، خاصة وان الأخير عودة إلى الجاهلية والقيم البدائية، حيث التناحر والهجاء والتفاخر قيم القبيلة التي تتعارض مع قيم الإنسانية التي جاء بها الإسلام كثورة ضد قيم العدوان والتناحر والفرقة والفتنة، ومن هنا يأتي الهدف الرئيس لهذا البحث، وهو كيفية تأسيس لتقارب مذهبي بديلا عن التفريق، وهذا من خلال ما تمت تسميته بالحوار التكاملي

وهنا نطرح سؤالا مركزيا تتفرع عنه أسئلة جزئية، فأما السؤال الرئيسي:

هل يمكن تجاوز عائق منطق المراء التنابذي والتصارعي ؟

ويتفرع عنه:

هل يمكن تأسيس حوار تكاملي على أساس انطولوجيا الممارسة المعرفية التوحيدية؟

وهل يمكن تجسيد الحوار التكاملي في الممارسة المعرفية الإسلامية؟

ويلزم للإجابة عن هذه الأسئلة منهجا وخطة، فأما المنهج المتبع فهو يستند إلى النماذج المعرفية، والتي تحلل الرؤية الكونية التي تحكم كل ممارسة معرفية او فعل اجتماعي، وهي تعمل على الكشف عن العلائق والمفاهيم المركزية التي تحكم رؤيا ما للعالم، ثن يتجه النموذج للكشف عن الرابطة بين الرؤيا والواقع، وهذا ما نسعى إليه في هذا البحث، ففي البداية سنسعى للكشف عن النموذج القائم خلف ذهنية المراء التصارعي بوصفها عائق، ثم نتجه بعد ذلك أنطولوجيا نموذج الحوار التكاملي وأخيرا عملية تجسيده، وعليه تأتي خطة البحث مقسمة إلى مايلي:

أولا : المراء التصارعي ومبائه.

ثانيا: آفات المراء التصارعي.

ثالثا: الأسس الأنطولوجيا للحوار التكاملي

رابعا: مبادئ الحوار التكاملي

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أولا : المراء التصارعي ومبادئه:

           شاع في تراثنا مصطلح الجدل بكونه خاصية يتميز بها علم الكلام، حتى وصف ابن رشد طريقة المتكلمين بأنها جدلية، وقد تراوحت قيمة المصطلح تارة بين الذم وأخرى بالمدح، لهذا وجب العودة إلى القرآن الكريم، حيث سنجد أن للمصطلح قيمة مستحسنة، وهو قوله تعالى:" ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)" [ سورة النحل 125] وفي سياق آخر قوله تعالى: "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ۖ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَٰهُنَا وَإِلَٰهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ46" [ العنكبوت 46]، من خلال هاتين الآيتين الكريمتين يمكن أن نستنتج أن لفظة جدل لها ارتباط بوثيق بالإحسان إلى الآخرين، مما يقودنا إلى العدول إلى مصطلح آخر يعبر عن التعاطي مع الآخر بنوع من الجدل الذي يقصي الآخر ويحطمه.

          وهنا سنتجه إلى البحث في الموروث الروائي، وإن كان لا يهمنا العبارة في حد ذاتها بقدر ما يهمنا إمكان توظيفها لتدل على واقع التفاعل السلبي بين المذاهب الإسلامية. وهنا نجد رواية عن رسول الله، لأبو داود عن أبي أمامة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: " أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً، وببيت في أعلى الجنة لمن حسَّن خُلُقَه "رواه أبو داود، في كتاب: الأدب، باب: في حسن الخلق، رقم الحديث: (4800). يقترن في الحديث أمرين هما الكذب والمراء وتركهما دليل على حسن الخلق، مما يعني أن المراء من سوء الخلق، لهذا أمكن لنا أن نطرحه كمصطلح يقترن برؤية تنبني على التصارع وليس التكامل.

          والمراء في تعريف الجرجاني هو : " طعن في كلام الغير لإظهار خلل فيه، من غير أن يرتبط به غرض سوى تحقير الغير"[1] من هنا يتضح أن المراء هو تفاعل بين ذاتين تختلفين مذهبين، تعمل الذات المرائية على إلغاء الغير، وبالتالي فالمراء هو علاقة بين ذاتين متغايرتين، ما يحمله في طايته بعدين هما : الخطاب والفعل الأخلاقي، وعليه وجب تحليل البعد الخطابي وآفاته الأخلاقية.

          والمراء إن كان سلوكا أخلاقيا مذموما، فهو لابد أن ينبني على رؤية معرفية، أي هو صادر عن تصور للآخر، بوصفه عدو وجب صرعه، من هنا أصبح المراء رؤية معرفية في أعلى درجاته الفكرية ، وفي أدناه ذهنية، وفي كلا الحالتين يمكن تحليله من خلال غايات التعامل مع الآخر، والتي بدورها تكشف عن تصوره للذات، وعلى كلا التصورين تتحدد آليات التعامل، وبهذا فالتحليل هنا تحليل لخطاب، والذي يتكون عادة من مرسل ومتلقي وطريقة إرسال، ولكل خطالب خلفية ، وهنا لابد من تحليل رؤية العالم في ذهن المراء لكونها ستحدد كثير من عناصر تصوره لذاته وللآخر.

          وقد تم قرن عبارة الصراع لتدل على المراء، وهذا لكي يتم المعنى ويتجسد أكثر، فالجذر اللغوي صرع يدل في معاجم اللغة على القضاء على الآخر وتحطيمه ، وهذا ما تدل عليه معاجم اللغة، فقاموس المحيط للفيروز آبادي يورد عدة دلالات لمعنى صرع، أهمها: " الصرع ...الطرح على الأرض....وقد صرعه، كمنعه"[2] ، ومنه فالصرع هو طرح الآخر أرضا والقضاء عليه، ومنعه كذلك من وجوده، وفي نفس المعنى نجد قاموس المنجد يؤكد ذلك على في : " صرع : - صرع صرعا ومصرعا: جندل، طرح أرضا/ أردى قتيلا: صرع عدوا..."[3] وعليه فالصرع هو القضاء على الآخر، وليس بناؤه، فهو منزع للهدم لا يقود إلى التكامل. 

1/ غايات المراء التصارعي:

التفاعل المذهبي يتحدد وفق إحدى الغايات التالية:

                              I.            إما بقصد تبليغ المذهب إلى الآخر المخالف، وهذا إما لكون الآخر لا يعرف المذهب أو لأنه يملك معرفة زائفة عنه.

                           II.            وإما لكشف الحقيقة، لكونها تشاركية، فلابد أن يحصل التحاور لكي يظهر كل طرف حجته حتى تتبين الحقيقة، والتي لها احتمالات ثلاث، اما انها مع المذهب واما مع المذهب المخالف واما تكون لاهي مع هذا او ذاك.

                       III.            وآخرهم لغرض إلغاء المذهب المخالف، وهذا لا يم إلى من خلال إعطاء مركزية مطلقة للذات وتهميش الآخر.

هاته الأغراض الافتراضية والتي قد تتعدد وتتكثر اكثر مما هو موجود في هذا البحث إلا أنها قادرة على تمييز بين الحوار التكاملي والمراء التصارعي، كما أنه يمكن أن نبني عليها تصور كل تفاعل مذهبي، ويظهر أن الغرضين الأول والثاني، لا يؤديان إلى التصارع بقدر ما يؤديان إلى التصالح والتكامل بين المذاهب، وأما الأخير فهو على العكس من ذلك مآله التصادم لكون يسعى إلى على إلغاء الآخر، ما من شأنه أن يخلق حالة استقطاب بين طرفين كل يشد لقهر الآخر.

          وعليه يمكن القول أن المراء التصارعي هو كل تفاعل بين المذاهب الإسلامية يهدف إلى إلغاء أحد المذاهب الأخرى المخالفة له، وعليه فهو لا يهدف الى تبليغ ذاته إلى الآخرين بقدر ما يهتم بإفنائهم، ولا يهتم بكشف الحقيقة بقدر ما يهتم بفرض مذهبه، وقد أكد على نحو هذا المعنى ابي حامد الغزالي قائلا: " وتحقق أن المناظرة الموضوعة لقصد الغلبة والإفحام"[4] والمناظرة هنا هي عينها المراء، وغن الغزالي يرفض المناضرة بوصبها حب للانتصار على الآخر، فهي ليست دائما كذلك، فهنالك من المناظرة المقصد منها كشف الحقيقة، أو تعريف بتصحيح نظرة.

          2/ الذات المرائية وتمركزاتها:

          إذا كانت الذات المرائية تهدف إلى القضاء على الآخر وسحقه إما معرفيا وإما وجوديا، أي إما بإلغاء كل المنجز المعرفي للآخر، وقد يمتد الإلغاء إلى محمو وجود المخالف بالدعوة إلى قتله، وهذا الذي نجده في التطرف الوهابي الداعي إلى مقاتلة غيره ليس بوصفهم يملكون تصورا مخالفا للتوحيد بل لأنهم مشركون في تصورهم، وهذا كله يعبر عن رؤية للذات ينبني عنها تصور آخر عن الآخر، وبتعبير الفلسفة المعاصرة، يتحدد جدل الأنا والآخر، حيث تحدد موقع الانا ينبني عليه صورة الآخر.

          وفي حقل المراء يصبح "الأنا مفعمة بقيم سامية، والآخر يفتقر إليها، الأنا فاعل، والآخر منفعل "[5] وكل هذه التصورات تنبني على مركزيات مغلقة، والتي استند إليها عبد الله إبراهيم في تحليله للثقافة العربية المعاصرة، وإن كانت المركزية لهها دلالة سلبية في تصوره، حيث يذهب إلى انها تنبني على أساس متخيل ينظر إلى الذات المتعالية المغلقة على ذاتها، والآخر الدوني الهامشي[6] ، إلا هذا التصور للمركزية فيه نظر، إذ لا يمكن للإنسان أن يفكر بدون مركزية ما، كأن تكون مركزية العرق أو الإله أو الطبيعة وغيرها، وحتى اللامركزية في حد ذاتها تعد مركزية للامركز.

          فالتمركز يقوم أساسا على تصور عنصر ما إما أنه مركز قبالة عناصر هامشية، أو ناظم أساسي ترتبط به العناصر الأخرى، وما يهمنا هنا، ثنائية المركز والهامش، هنالك تصور يرى مركزية الذات وهامشية الآخر أو العكس، ولنضرب مثال على ذالك على سبيل التمثيل لا الحصر، فقد يتصور المسلم أن ثقافته هي المركز والثقافة الغربية هامشية، وقد يسود العكس هنالك من يحول الثقافة الغربية مركز يقاس عليه كل شيء وثقافته المحلية هامشية، وهنا موضع الإشكال، هل كل مركزية بالضرورة لاغية للهامش، أم أن هنالك تصورات أخرى للمركزيات؟.

          وللإجابة يمكن تحديد ثلاثة أنماط من المركزيات وهي:

      I.            المركزية المطلقة: وهي التي تجعل من المركز مطلقا لاغيا لما عداه، ومثلها نجدها في الحركات المتطرفة عبر التاريخ، كالنازية والفاشية والستالينية والداعيشية، وكل أشكال الإمبريالية التي ظهرت عبر التاريخ.

   II.            المركزية النسبية: وهذه المركزية ترى أن الآخر هامشي بالنسبة إليها، ولكنه هو الآخر مركزي بالنسبة إلى ذاته وهي هامشية بالنسبة إلى ذاتها، لهذا يبقى أفق الحوار مفتوحا، وتتجسد مثل هذه المركزيات في سورة الكافرون من القرآن الكريم، و القول المأثور عن الإمام الشافعي حين قال " رأي صواب يحتمل الخطأ ورأيك خطأ يحتمل الصواب".

III.            المركزية النسبية العدمية: وهي التي تظهر في السفسطائية قديما والفلسفة التفكيكية المعاصرة، وهي مركزية اللامركز حيث يختفي المركز، وينتفي المعيار المحدد، ومنه تختفي الحقيقة.

     وعليه فإن المركزية المطلقة هي من تؤسس للمراء التصارعي، فصرع الآخر في المراء، يقوم على آساس النظر إلى الذات بتعال وإلى الآخر بدونية، وفي مجال المذاهب الإسلامية، المراء التصارعي، يرى في مذهب الأنا مذهبا مطلقا خال من النقصان، ومذهب الآخر مذهبا كامل النقصان، وعليه فالقاعدة هنا " رأيي صواب بإطلاق، ورأيكم خطأ بإطلاق" أو صدق على المراء التصارعي قوله تعالى " وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ( 113 )" [ التوبة: 113]، فالأصل ان تقول اليهود للنصارى أنتم على شيء، لا ان تقول انتم لستم على شيء، وعليه فالقاعدة التي ينبني عليها المراء التصارعي، هي " كل آخر هو ليس على شيء".

     3/ رؤيا العالم في المراء التصارعي:

رؤيا العالم هي " فضاء للتشاكل والعلاقات لترتيب الموجودات والكائنات"[7] وفيها يرتب الإنسان موقعه في الكون، ويرتب موقع غيره من الكائنات، وتنبني على مجموعة من المفاهيم ، أهمها علاقة المطلق بالنسبي، والتي بواسطتها تتحدد المركزيات، حيث كما تبين لنا أن المراء التصارعي قائم على مقصد إلغاء الآخر، والأخير يتأسس على رؤيا تنظر إلى الذات بوصفها مركز مطلق، فإن ما يحدد المركزية المطلقة هي رؤيا العالم بوصفها ضبط لعلاقة النسبي بالمطلق.

     وفي هذا الصدد يميز المسيري بين الرؤية التوحيدية والحلولية، وهذه الأخيرة هي من سنستعين به لتحليل المراء، لكونه حلولي، حيث ينبني على كون المطلق قد حل فيه، وهذا راجع إلى أن الحلولية كما يعرفها عبد الوهاب المسيري " على نقيض النظم التوحيدية نجد أن المركز( اللوغوس- الخالق) في النظم الحلولية يحل في العالم، فيمتزج الخالق بالمخلوق والإله بالعالم"[8] وعليه تختفي المسافة بين المطلق والنسبي.

     ففي المذاهب الإسلامية الجدل المرائي يتأكد فيه حلول المطلق وهو قول الله والرسول الاكرم في ذات المذهب، فالمدافع عن مذهبه يساوي بين فهمه والقرآن والسنة، ولا يضع مسافة بين فهمه النسبي والقرآن والسنة بوصفهما مطلقين، وعليه يتحول إلى حلولي يجعل القرآن والسنة حالين في مذهبه ورأيه البشري، وهو هنا خارج عن الرؤية التوحيدية ا(لتي سنحللها في العنصر الثاني من هذا البحث).

خلاصة:

     يمكن تلخيص المراء التصارعي في رؤيته إلى الذات، وفي مبادئ جدل الأنا والآخر، وعليه:

·       رؤيته إلى الذات: تنبني رؤية الذات على حلولية يحل فيها المطلق في النسبي، فتتحول الأنا المذهبية إلى مركز مطلق، يحل فيه كل معاني القرآن والسنة المطلقين، ما يعني أن الآخر ليس على شيء، ولهذا فمقصد المراء هو القضاء على الآخر.

·       مبادئ الأنا والآخر: نجد ثلاثة مبادئ أساسية وهي:

رأيي صواب بالمطلق، ورأي غيري خطأ بالمطلق

الآخر ليس على شيء

لا بقاء إلا لمذهبي.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ثانيا آفات المراء التصارعي:

للمراء التصارعي عدة آفات يمكن أن ننضبطها في مجالات ثلاث، المجال النفسي، والذي تنبني عليه آفات المجال الأخلاقي، والذي تنبني عليه آفات المجال الاجتماعي، إلا أن الميزة الرابطة بينها جميعا أن المراء ظاهرة هدامة وليست تكاملية بناء.

     1/ آفات المراء التصارعي في المجال النفسي:

إن النفس البشري تملك عنصرين أساسيين هما من يحددان نوعية فاعلية السلوك البشري، وهما البعد الإيروسي والثيناتوسي، أي نزعة الحياة ونزعة الموت، والأولى عرفها فرويد قائلا : "وهي إيروس أو الغرائز الجنسية أكثر وضوحا ..وهي لا تشمل فقط الغريزة الجنسية الحقيقية التي لم يتناولها الإعلاء أو الكف، وإنما تشمل أيضا غريزة حفظ الذات التي يجب أن تنسب إلى الأنا"[9] ومنزع هذه الغريزة هو البناء ، وأما النوع الثاني من الغرائز والتي تشكل العنصر الآخر ويعرفها قوله " وجود عريزة الموت ومهمتها إعادة الحياة العضوية إلى حالة غير حية"[10] وفي كلتا الحالتين تتكون الحياة النفسية بغرائز تنزع نحو الهدم وأخرى نحو البناء، والمشكلة دائما في بروز أحدهما على الآخر.

     وما يجعل الباحث يأخذ باطروحة فرويد لكونها تنبهنا إلى عمق الآية الكريمة في قوله  تعالى: " وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10) " [ سورة الشمس: 7-8-9-10] حيث ينبهنا القرآن أن النفس خلقت سوية، فقد افلح من زكى ونمى قدراتها التقوية ، وقد خاب من دس تلقى القوى ليبرز البعد الفجوري، وهنا المشترك في النفس هو البعد البناء والهدام ، وعليه سنستبدل مصطلحي الإيروس والثيناتوس ، بمصطلحي التقوية والفجورية، فالأول يحوي القيم وليس الغرائز البناء كالإصلاح في الأرض وإحياء الناس، والثاني البعد الفجوري الذي يتجسد في قيم الإفساد في الأرض وسفك الدماء وقتل الناس، وعليه فنحن أمام نموذجين قيميين هما قيم التكامل وقيم التصارع والتهالك.

     وهنا مكمن آفة المراء، حيث يدسي النفس بالبعد الفجوري ، وهذا ما قصد إليه الغزالي عندما قال: " ..فكذلك من غلب عليه حب الإفحام والغلبة في المناظرة وطلب الجاه والمباهاة دعاه ذلك إلى إضمار الخبائث كلها في النفس وهيج فيه جميع الأخلاق المذمومة"[11] حيث سيولد في النفس الرغبة في صرع الآخر وتدميره، ما من شأنه ان يعزز قيم التدمير، فيولد فيها كل عناصر التدمير، خاصة منها تقوية الكراهية والغضب والرغبة في التحطيم واحتقار الآخر، وكلها من منزع محدد وه التدمير.

     ومن هذه الآفة النفسية تتولد كل الآفات الأخلاقية الذميمة التي جاء علم التصوف الإسلامي لكي يحاربها ، ويزكي النفس بتنمية البعد التقوي فيها.

 

     2/آفات المراء التصارعي الأخلاقية:

لقد عدد أبي حامد الغزالي مجمل الأخلاق الذميمة التي تجتمع في المراء التصارعي، وكلها هي من أمراض القلوب عند أغلب المسلمين، من معاصي القلوب، ويمكن أن نلخصها في الخصال التالية وهي: الحسد – التكبر – الحقد – الغيبة – تزكية النفس – التجسس –الفرح لمساءة الناس والغم لمسارهم –النفاق –الاستكبار – والرياء، وكل خصلة عمل الغزالي على الربط بينها وكيفية ترابطها بالمراراء التصارعي، فالحسد يبرز لظهور الرغبة في زوال النعمة عن الآخر، والتكبر وهو النظرة إليه بدونية، والحقد لازم عن نظرة ورغبة في التعدي عليه، وابرز دليل على ذلك منعه من الكلام والعزوف عن الاستماع إليه[12]، وغيرها من الآفات الهدامة.

     ويمكن تصنيفها في صنفين فجوريين، وهما: فجورية متجهة إلى الذات، وفجورية متجهة نحو الآخر، فأما الفجورية المتجهة إلى الذات، فهي الاستكبار والتي ينكر فيها صاحبها الحق، فيمنع عن ذاته نعمة اتباع الحق، والتكبر وتزكية النفس والتي تحجب عنه رؤية الخصال الذميمة فيها وإصلاحها ومن ثم تزكيتها، فهو على العكس سيعجب بها ومن ثم سيدسيها وهذا عين الخيبة، ويأتي النفاق والرياء الذي يحرم الذات من هويتها الأصيلة فيبني ذاتا زائفة متخيلة، في حين تأتي الفجورية المتجهة إلى الآخر فيما يلي: الحسد وتمني زوال النعمة عن الآخرين ، والحقد الذي تتولد عنه ممارسات عنيفة من سب وشتم وضرب وغيرها، والتجسس وتمظهره في تتبع عورات الآخر قصد تحطيمه.

     3/ الآفات الاجتماعية للمراء التصارعي:

     وتتولد عن الآفات الأخلاقية مجموعة من الآفات الاجتماعية، لاعتار أن الذي ينظم مجموع العلاقات الاجتماعية هي القيم الأخلاقية، فعندما تتفكك القيم الأخلاقية، تتفكك الروابط الاجتماعية، ولسيادة البعد الفجوري الهدام لابد ان أن تسود الأخلاق الهدامة التي تؤول إلى تحطيم الكيان الاجتماعي، فيتحول إلى ساحة صراع دام.

     وهنا يمكن توظيف أطروحة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمان، حيث عدد ثلاثة آفات تتعارض مع ما يسميه بالحوال النقدي، وكلها تتصف بالبعد الاجتماعي لاعتبار أنها تنتمي إلى سياق المنازعة داخل الجماعة، وقد سعى إلى تبيان أوجه الإختلاف بين الحوار والعنف والحوار والخلاف والحوار والفرقة، وسنكتفي فقط بتحديد الآفات الثلاثة فقط، أي العنف والخلاف والفرقة، بوصفهما آفات اجتماعية.

     وأما آفة العنف فيميز بين العنف الأشد والضعيف ، وكلاهما عبارة عن قمع للمخالف، والأول فيعرفه بقوله " فحيث لا يوجد البرهان لا يمكن أن يوجد إلا السلطان، وحيث لا يوجد الحوار لا يمكن ان يوجد الا الحصار"[13] وبالتالي فالعنف لا ينبني على أساس الحجة والبرهان بقدر ما ينبني على أساس القمع، وهو إما بالجانب المادي كالأذى الجسدي، أو المعنوي كالتشويه وتتبع العورات والسب والتجريح وغيرها. ويأتي بعد ذلك العنف الأخف وهو تحكيم طرف ثالث.

     وآفة الخلاف فسببها ليس بناء الآراء على الدليل، بل بناء آراء تحكمية تستند إما على التشهي أو على التقليد، ففي الأخير يختفي الاجتهاد، والثاني يختفي فيه العقل[14]، وكلاهما مآله الخلاف داخل المجتمع، إذ أنه لا يقود إلى حل، فالمقلد يخترع الدليل المناسب للموقف وإنما يتعصب لرأي عالم ما فيشتد الخلاف، وأما المتشهي فإنه خاضع لأنانيته لا إلى عقله ما يروث تنازع الأناة المفضي إلى تفكيك الجماعة.

     وأخيرا آفة الفرقة، وهي ناجمة عن التفاوت والانشقاق، فالأول يعبر عن تفاوت في السلطة، حيث تمنح لطرف على حساب الآخر، والثاني وهو تشقق الجماعة إلى آراء متصارعة  [15]، وبذلك ينتهي الامر بالجماعة إلى طوائف متناحرة، بسبب التفاوت والانشقاق.

     وهذه الآفات التي طرحها طه عبد الرحمان هي في حقيقتها تمظهرات، للبعد النفسي الفجوري، والذي تمت تنميته من خلال المراء التصارعي، وتولدت عنه أخلاقيات نفسية مدمرة، تؤدي بالضرورة إلى أشكال متعدد من العنف، خاصة منها المعنوي كالافتراء والكذب زورا على المذاهب المخالفة، وتزوير الحقائق وما إلى ذلك مما نشهده في وسائل الإعلام، وهذه كلها تؤجج الخلاف وتمنع التقريب، فيتحول الخلاف إلى فرقة بين المسلمين.

 

 

 

 

  ثالثا: الأسس الأنطولوجيا الحوار التكاملي:

يتضح أن التكامل ضد لنقيضه وهو التصارع، فالأول ينزع  منزعا بناء في حين ينحو الثاني منحا هداما، ومن هنا سنجد أن الرؤية والمبادئ بينهما تختلف، لهذا فنحن نحتاج إلى تأسيس أنطولوجي يحدد تصور الإنسان وعلاقته بالمطلق، ويعطي معنى محدد للحرية، ولهذا يملي علينا المنهج أن نحدد الأساس الأنطولوجي، والذي نراه يتمثل في الرؤية التوحيدية التي تحدد العلاقة بين النسبي والمطلق، والتي ترتبط بها حرية الإنسان.

     1/ الرؤية المعرفية التوحيدية:

     تتأسس الرؤية المعرفية التوحيدية على الآية القرآنية الكريمة في قوله تعالى "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا ۖ يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ ۚ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ11" [ الشورى -11] هذه الآية الكريمة هي مناط الرؤية الكونية التوحيدية، حيث تحدد لنا العلاقة بين المطلق والنسبي، أي بين الله والإنسان، فالشق الأول أنا الله فاطر السموات والأرض، لكنها لاتماثله ولا تشبهه  في شيء من خلقه، فلو أن الخلائق كانت مثله لكانت آلهة وبالتالي لما احتاجت إلى خالق، ولو كان هو مثلها لكن مخلوقا ولأحتاج بدوره إلى خالق يخلقه، فالشيء يتميز بالتحيز والتركيب والتعدد والتنوع، أما الله فواحد أزلي، من هنا تظهر ما اصطلح عليه المسيري بالمسافة، والتي تبرز بين الخالق والمخلوق، والتي لا ينطبع فيها المطلق فيخسر النسبي وجوده، كما أنها لا تمنع التواصل بين الخالق والمخلوق، فالخالق سميع بصير، فالعالم ليس كساعة نيوتن خلقه الله وتركه دون رعاية.

              والتماسف بين الخلق والمخلوق يصنع مسافة بين المطلق والنسبي، ما من شأنه أن يمنح الإنسان حريته وقدرته على الحراك ،لأن المطلق إذا حل في النسبي قضى عليه، ما يعني أنه يحرمه من المساحة التي يتحرك فيها، ولهذا نجد في قوله تعالى"  وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ143" [ الأعراف – 143] تحليل لعدم الحلول، فاله لم يقل انظر اليا بل قال لن تراني، وهذا لانتفاء الحلول، بل قال له انظر إلى الجبل لكي يظهر له أحد تجلياته وليس حلوله، فكانت نتيجة ذلك انمحاء الجبل، فالعبرة من الآية أن الله لا يحل في مخلوقاته لكي لا تنمحي خصوصياتهم وبالتالي المساحة التي يتحركون فيها.

     ولهذا كانت الفلسفات الإسلامية التوحيدية المعاصرة تتأسس على رؤية للإنسان بوصفه كائن حر، حيث أكلد علي عزة بيجوفيتش على أن الأصل الإلهي للإنسان هو ماجعله حرا، فلو كانت الطبيعة هي من خلقت الإنسان، لأنشأت كائنا مبرمجا يخضع لبرنامج محدد لا يستطيع الفكاك منه[16]، والامر نفسه بالنسبة إلى الفيلسوف السوداني حاج حمد، الذي رأى من الرؤية المعرفية التوحيدية تحرير للإنسان من الاستلابين الديني اللاهوتي الكهنوتي، والوضعي المادي[17]، والأمر نفسه بالنسبة إلى علي شريعتي، حيث أكد على أن الإنسان خلق على هيئة الله ليس على سبيل المماثلة أو المطابقة، بل لكونه منح طاقات تشبه قدرات الخالق مع فارق النسبية الأطلاق، وهي قدرة الوعي والاختيار، والتي من خلالها يسعى للتحرر من السجون الأبعة، سجن المجتمع وسجن الطبيعة وسجن التاريخ ويتخلص منها بواسطة العلم، وأخيرا سجن النفس والذي يتحرر منه بواسطة الدين[18].

     لهذا نستنتج ان المذاهب الدينية التي ترفض الحوار مع الآخر، وتنبذه وتسعى إلى هدم مذهبه أو تشويهه، لاتنطلق من رؤية معرفية توحيدية بل هي رؤية حلولية، فالرؤية التوحيدية تشيد العلاقة بين البشر على أساس التماسف، أي المساحة التي يتحرك فيها الإنسان، فكل الرسالات السماوية تقوم على الحوال والقول اللين والمجادلة بالتي هي أحسن، لكونها تحترم خصوصية الوجود البشري الذي يتشكل في إطار المسافة بين المطلق والنسبي، ما يخلق مساحة للحركة الحرة.

     فالحوار بين طرفين يجب أن ينبني هو الآخر على فكرة المسافة، أي المتحاور يجب أن يراعي أولا حرية الآخر

لاعتبار أن الأنا ليس مطلق ولهذا لا يمكن للآخر أن يحل في ذاتي، فالمذهب الذي أدافع عنه أتبناه ليس مطلق بل نسبي، من جهتين، من جهته اتصاله بالمطلق وهو الله، فمذهب ليس هو عينه الله بل علاقة معرفية للدين الإلهي، ومن جهة اتصاله بالمذهب الأخرى فهي مساعي لمعرفة دين الله، وهذا الذي سيصنع مساحة مفتوحة للمذاهب الإسلامية للتكامل في ما بيتها للظفر بالحقيقة المطلقة.

2/ العلاقة بين الحوار والتكامل:

كما سبق ذكره أن الرؤية المعرفية التوحيدية تنبني على أساس التماسف بين المطلق والنسبي، وهي كذلك تنبني على اساس آخر وهو التكامل، الذي عبر عنه طه عبد الرحمان قائلا:" إن الذي ينظر إلى عين المتجرد في الممارسة الإسلامية لا يسعه إلا ان يعترف بأنها تأخذ بقوة بمبدأ إنساني عام عام وهذا المبدأ هو حقيقة التكامل الخلقي والخُلقي للإنسان "[19] حيث أن الإنسان يعيش رحلة نحو الكمال، فلكونه نسبي، فهو دائما التطلع نحو المطلق، أي هو دائم السعي إلى الكمال الخلقي والأخلاقي، وهذا ما يفسر ظهور الدين بوصفه جزأ ركين في وجود البشر، لكونه تعبير عن رغبة الإنسان في الكمال

     والتكامل لفظ مشتق من الكمال، الذي يعرفه العلامة مرتضى مطهر بقوله: "أما الكمال فهو درجات يمكن أن يصل اليها الشيء بعد أن أصبح تاما، درجة بعد درجة"[20] فالكمال أعلى من التمام لكون منطلق الكمال يبدا عن التمام فيأخذ درجات بعدها، لهذا فالوجود البشري تام وإنما يحتاج إلى الارتفاع في درجات الكمال، وهذه العملية هي التكامل.

              من هنا فالإنسان يحتاج إلى الإنسان لكي يحقق تكامله، حتى ينتقل من درجة كمال إلى درجة أخرى، تخرجه من ضيق النسبية نحو المطلق، وهذا ما تجسده حركة النزول والصعود الإلهية التي جسدها " إنا لله وإنا إليه راجعون" فالإنسان الرباني يبدأ تاما من الله، ثم يرجع متكاملا إلى الله، وعلى العكس الإنسان المادي، الذي ينطق من المادة ثم يتهالك فيها بسبب الصراع، الذي ينجم عن التصور المتعاظم للذات، فترى نفسها مطلقة ولا تحتاج للتكمال، فتسعى للهيمنة على الآخر.

     في حين أن الرؤية التوحيدية تؤمن بأن المطلق هو الله، هو متعال على العالم، والإنسان يسعى إلى بلوغ الكمال بالعودة إلى الله، لهذا فإن سعيه ليس  بغرض العلو على على الآخرين، بل التكامل مع الآخرين، وذلك بلوغ درجات أعلى في الكمال، وهذا لا يتسنى للإنسانية إلا بالتعاون وليس بالتهالك، فالصراع يؤول إلى التسافل وانحطاط الإنسان عن وجوده.

     من هنا يأتي الحوار بوصفه آلية لتحقيق التكامل بين البشر وليس وسيلة لتهالكهم، فالآخر مثلي أنا نسبي ويسعى للتكامل، لهذا فهدف الحوار هو اكتشاف ما في الآخر من عناصر تكملني، وكشف ما عندي من عناصر تكمله، هذا حتى يرتقي وجودنا البشري.

خلاصة:

يظهر أن الأساس الأنطولوجي يحدد رؤيتنا إلى الآخر، ومن هنا تتحدد علاقتنا به، فالرؤية الحلولية التي تجعل من المطلق يحل في الذات، تسعى دائما إلى إهلاك الآخر وصرعه، أما الرؤية التوحيدية فهي على العكس من ذلك، فهي تتأسس على مبدأين هما:

·       التماسف: وهو وجود مسافة بين المطلق والنسبي، وبالتالي هنالك مجال للحركة للنسبي.

·       التكامل: ووجود الحركة لابد أن يتجه في تكامل الوجود البشري درجة فوق درجة.

          لهذا يأتي هدف الحوار التكاملي هو تكامل المتحاورين، فالآخر مكمل لي، كما انا مكمل لي ودور الحوار هو اكتشاف عناصر التكامل.

          رابعا: مبادئ الحوار التكامل:

حتى لا يبقى الحوار التكاملي مجرد رؤية عالقة في الاذهان وجب أن يتجسد من خلال مبادئ تضبط الممارسة الحوارية، ويمكن تحديد هذه المبادئ بالإضافة إلى مقاصدها، أي المبادئ المتعلقة بوجود الحوار، والمبادئ المتعلقة بالممارسة المعرفية للحوار، وهي:

          1/ المبادئ الأنطولوجيا:

وهي جملة المبادئ التي تتعلق بوجود الحوار أصلا، وهي ترتبط بالرؤية المعرفية التوحيدية، فبانتفائها ينعدم الحوار أصلا ولا يحصل التكامل، وهي:

·       الآخر على شيء كما انا على شيء: وهو مبدأ يفيد أن الآخر يملك جزأ من الحقيقة  وليس كل الحقيقة، كما  أنا أملك جزأ منها، ومعناه أن الآخر له وجود من حيث يملك نصيب من الحقيقة، وعليه يصبح باب الحوار مفتوحا، لكي يتكامل الطرفان أو الأطراف المتحاورة،   فلو افترضنا العكس، وهو القول بأن الآخر هو ليس على شيء، فعندها لن يكون هنالك حوار، وعليه فهذا المبدأ يحمل الإعتراف بالآخر، وهو مقدم على غيره، لأنه إن لم يعترف بالآخر فكيف ستحاور معه، وهذا ما يجب أن يكون بين المذاهب الإسلامية، كلها لها نصيب من الصحة، لهذا وجب التكامل.

·       رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأيكم خطأ يحتمل الصواب: وهذا المبدأ يتجه في مسيرة معاكسة للمبدأ السابق عليه، فالأول يعترف بالآخر، أي يتجه من الآخر على الذات، والمبدأ الثاني يتجه من الذات إلى الآخر، ويأتي لتأكيد ما عند الأنا من أحقية، لكنها نسبية تنفتح على نسبية الآخر، فكل متحاور يعتقد صحة قولها، لكن يجب أن يبقى احتمال الخطأ وارد، ويعتقد خطا الآخر لكن ليس بإطلاق، مع وجود الإحتمال، وفائدة هذا المبدأ أنه يتيح لكلا الطرفين بالتعريف على ما عنده، وللمستمع تحقيق قدر هائل من فهم الآخر، ويمنع الانغلاق المذهبي الذي يؤول إلى التكفير.

·       لك حق الوجود إن لم نتفق: ففي حالة الوصول إلى طريق مسدود بين المذهبين، لا يعني التحول من سلطة الحجة إلى سلطة القهر، بل على كل طرف حفظ وجود الآخر، فسورة الكافرون أسمى تجسيد لاتعايش، فقد حفظ القرآن الكريم وجود الكافرين، فلما لا يحفظ المسلمون وجود بعضهم.

 

2/ مقاصد الحوار التكاملي:

ويترتب عن هذه المبادئ جملة مقاصد، تحدد الغاية من الحوار، حتى لا يتحول إلى مجرد حوار للمتعة الفكرية دون فائدة عملية او علمية، وهي:

ü    مقصد التفهم: وهو مقصد تفهم ما لدى الآخر من معرفة كي أكمل بها ذاتي، وهو مترتب عن مبدأ الآخر على شيء.

ü    مقصد الإفهام: وهو مقصد تبليغ الآخر ما لدي، حتى يصحح صورته عني، فأفهمه ما لد، فهو تفهم معكوس، وهو مترتب على مبدأ الصواب واحتمال الخطأ.

ü    حفظ الذات: وهو حق الجميع في الوجود، وهو مترتب عن مبدأ حق الوجود.

فبهذه المبادئ والمقاصد يتحقق وجود الحوار التكاملي، وإن أعدمت أعدم الحوار التكاملي وحل محله المراء التصارعي.

خلاصـــة:

          لا بد للحوار حتى يتحقق وجوده، ويحقق التكامل بين الذوات المتحاورة، فإنه ملزم بهذا المبادئ، والتي تعترف بالآخر بقصد تفهم ما لديه، وتعترف بنسبية الذات لإفهام الآخر، وتعترف بحقه في الوجود لمقصد حفظ الوجود، وكلها تقود إلى انفتاح الأطراف المحاورة بعضها على بعض.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

خاتمــــــــــــــــة

نخلص من بحثنا هذا إلى جملة من النتائج المتعلقة بتفعيل الحوار التكاملي، والتي يمكن ان نقسمها إلى قسمين أساسيين هما: المتعلق بعائق الحوار التكاملي، وتفعيل الحوار التكاملي.

     فأما النتائج المتعلقة بالعوائق فهي:

1)   ان أكبر عائق للحوار التكاملي هو المراء التصارعي لأنه يقود إلى تهالك البشر لا إلى تزكيتهم.

2)   المراء التصارعي لا ينتمي إلى الرؤية المعرفية التوحيدية الإسلامية، بل ينتمي إلى الرؤية الحلولية التي ترى حلول المطلق في النسبي، والتي تنتهي إلى صرع الآخر للإبقاء على الذات.

3)   تؤول الرؤية التصارعية إلى إنتاج استقطاب حاد بين قطبين متنافرين يدمر كيان المجتمع.

4)   المراء التصارعي ينتهي إلى العدوانية.

5)   مبناه هو الانغلاق والذي لا يزيد صاحبه سوى جهلا على جهل

واما المتعلقة بتفعيل الحوار التكاملي فهي:

1)   لابد أن يتشكل وعي جديد في العالم الإسلامي حول أهمية الرؤية التوحيدية، ليس من الجانب العقائدي فقط بل من الجانب الفلسفي، وما تثمره من وعي إنساني راق

2)   تنبني الرؤية التوحيدية على التماسف والكامل، وهذا ما يجعلها اكثر انفتاحا.

3)   تنبني مبادؤها على أساس الانفتاح على الآخر

4)   تسعى إلى تكامل الأنسانا أخلاقيا ومعرفيا.

وهنالك نتائج أخرى تتعلق بتشكيل العلاقة بين المذاهب الإسلامية، وهي:

1)   تعرف المذاهب الإسلامية بعضها على بعض، وهذا لسيادة الجهل عن المذاهب وطرائق انتظامها لهذا نحتاج إلى مقصدي التفهم والإفهام، لتعرف المذاهب عن بعضها، علما ان معارف كل مذهب لا يمكن ان يلم بها شخص بعينه.

2)   إزالة الشبه المنتشرة عن المذاهب الإسلامية، ففي ظل انتشار الإشاعة التي تحدها وسائل الإعلام فقد خلقت وعيا مشوها عن المذاهب الإسلامية وجب تصحيحه.

3)   حماية وحفظ المذاهب الإسلامية بوصفها تعبير عن ثراء الحضارة الإسلامية، والأحادية إفقار للحضارة الإسلامية.

4)   تكامل المذاهب الإسلامية يقود إلى المقصد الإسلامي الأعلى وهو الرقي بالإنسان من خلال فهم الهداية الإلهية له، وهذا الفهم لا يتأتى إلى بواسطة التعرف والتعاون بين المسلمين للكشف عن كنوز القرآن الكريم.

وأخيرا ما يمكن ان نختم به هذا المقال هو ان التكامل هو مفتاح تطور العالم الإسلامي ، لكي يصبح فاعلا في التاريخ الإنساني لا منفعلا، ومساهما في حل مشكلات البشرية لا عالة على العالم، وهذا ما يسمح للامة ان تؤدي دورها المنوط بها وهو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فالأمة لا تسمى امة إسلامية ما لم تحقق شرط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

 

 

 

 

 

 

قائمة المصادر والمراجع

القرآن الكريم

 

1.    محمد بن علي الحسيني الجرجاني : كتاب التعريفات، تحقيق نصر الدين التونسي، شركة القدس للتجارة، القاهرة، 2007.

2.    مرتضى مطهري: الانسان الكامل، ترجمة صادق الخليلي،مؤسسة البعثة،بيرةت،ط2، 1992.

3.    علي عزة بيجوفيتش: الإسلام بين لبشرق والغرب ، ترجمة يوسف عدس، دار الشروق مؤسسة بافاريا للنشر والتوزيع، 1994.

4.    محمد أبو القاسم حاج حمد: ابستيمولوجيا المعرفة الكونية، دار الهادي، بيروت، 2004.

5.    علي شريعتي: الإنسان والإلاسلام، ترجمة عباس الترجمان، دار الأمير، ط2، .2007.

6.    طه عبد الرحمان، العمل الديني والجديد  العقلي، المركز الثقافي العربي،الرباط، ط3، 2000.

7.    طه عبد الرحمان: الحق العربي في الإختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2006.

8.    سيجموند فرويد: الانا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، القاهرة، ط4، 1982.

9.    عبد الوهاب المسيري: اللغة والمجاز، دار الشروق، القاهرة،ط2، 2006.

10.          محمد مفتاح: رؤيا التماثل،: المركز الثقافي العربي، الرباط،2005.

11.          محمد أبي حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، تحقيق سيد عمران، الجزء الأول، دار الحديث، القاهرة، 2004

12.             عبد الله إبراهيم: المطابقة والإختلاف، المؤسسة العربية، للدراسات والنشر، بيروت، 2004.

 

 

 

المعاجم والقواميس

13.          مجد الدين بن محمد الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 2015.

 

14.          المنجد في اللغة العربية المعاصرة:دار المشرق، بيروت، ط3، 2008.



[1]  محمد بن علي الحسيني الجرجاني : كتاب التعريفات، تحقيق نصر الدين التونسي، شركة القدس للتجارة، القاهرة، 2007، ص 327.

[2]  مجد الدين بن محمد الفيروز آبادي: القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 2015،ص737.

[3]  المنجد في اللغة العربية المعاصرة:دار المشرق، بيروت، ط3، 2008، ص829.

[4]  محمد أبي حامد الغزالي: إحياء علوم الدين، تحقيق سيد عمران، الجزأ الأول، دار الحديث، القاهرة، 2004، ص 65.

[5]  عبد الله إبراهيم: المطابقة والإختلاف، المؤسسة العربية، للدراسات والنشر، بيروت، 2004، ص 15.

[6]  مرجع نفسه.

[7]  محمد مفتاح: رؤيا التماثل: المركز الثقافي العربي، الرباط،2005 ، ص16

[8]  عبد الوهاب المسيري: اللغة والمجاز، دار الشروق، القاهرة،ط2، 2006، ص224.

[9]  سيجموند فرويد: الانا والهو، ترجمة محمد عثمان نجاتي، دار الشروق، القاهرة، ط4، 1982، ص ص 66-67.

[10]  مصدر سابق، ص 67.

[11]  محمد أبو حامد الغزالي: مصدر سابق ، ص 65.

[12]  محمد أبو حامد الغزالي : مصدر سابق، ص ص 66-67-68 .

[13]  طه عبد الرحمان: الحق العربي في الإختلاف الفكري، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط2، 2006، ص ص 33-34.

[14]  مصدر نفسه، ص ص 35-36 .

[15]  مصدر نفسه: ص36.

[16]  علي عزة بيجوفيتش: الإسلام بين لبشرق والغرب ، ترجمة يوسف عدس، دار الشروق مؤسسة بافاريا للنشر والتوزيع، 1994.

[17]  محمد أبو القاسم حاج حمد: ابستيمولوجيا المعرفة الكونية، دار الهادي، بيروت، 2004، ص 41..

[18] علي شريعتي: الإنسان والإلاسلام، ترجمة عباس الترجمان، دار الأمير، ط2، .2007. ص ص من 139 الى 198.

[19]  طه عبد الرحمان، العمل الديني والجديد  العقلي، المركز الثقافي العربي،الرباط، ط3، 2000، ص 52.

[20]  مرتضى مطهري: الانسان الكامل، ترجمة صادق الخليلي،مؤسسة البعثة،بيرةت،ط2، 1992، ص10.