وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا ولا يهتدون " " لهم " الضمير للناس . وعدل بالخطاب عنهم على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم لأنه لا ضال أضل من المقلد كأنه يقول للعقلاء : انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون : قيل : هم المشركون . وقيل : هم طائفة من اليهود دعاهم رسول الله A إلى الإسلام فقالوا : " بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا " فإنهم كانوا خيرا منا وأعلم . وألفينا : بمعنى وجدنا بدليل قوله : " بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا " لقمان : 21 . " أولو كان آباؤهم " الواو للحال والهمزة بمعنى الرد والتعجيب معناه : أيتبعونهم ولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئا من الدين ولا يهتدون للصواب .
" ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون " لابد من مضاف محذوف تقديره : ومثل داعي الذين كفروا " كمثل الذي ينعق " أو : ومثل الذين كفروا كبهائم الذي ينعق . والمعنى : ومثل داعيهم إلى الإيمان - في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة ودوي الصوت من غير إلقاء أذهان ولا استبصار - كمثل الناعق بالبهائم التي لا تسمع إلا دعاء الناعق ونداءه الذي هو تصويت بها وزجر لها ولا تفقه شيئا آخر ولا تعي كما يفهم العقلاء ويعون . ويجوز أن يراد بما لا يسمع : الأصم الأصلخ الذي لا يسمع من كلام الرافع صوته بكلامه إلا النداء والتصويت لا غير من غير فهم للحروف . وقيل معناه : ومثلهم في اتباعهم آباءهم وتقليدهم كمثل البهائم التي لا تسمع إلا ظهر الصوت ولا تفهم ما تحته فكذلك هؤلاء يتبعونهم على ظاهر حالهم ولا يفقهون أهم على حق أم باطل ؟ وقيل معناه : ومثلهم في دعائهم الأصنام كمثل الناعق بما لا يسمع إلا أن قوله : " إلا دعاء ونداء " لا يساعد عليه لأن الأصنام لا تسمع شيئا والنعيق : التصويت . يقال : نعق المؤذن ونعق الراعي بالضأن . قال الأخطل : .
فانعق بضأنك يا جرير فإنما ... منتك نفسك في الخلاء ضلالا .
وأما نفق الغراب فبالغين المعجمة " صم " هم صم وهو رفع على الذم .
" يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون " " من طيبات ما رزقناكم " من مستلذاه لأن كل ما رزقه الله لا يكون إلا حلالا " واشكروا لله " الذي رزقكموها " إن كنتم إياه تعبدون " إن صح أنكم تخصونه بالعبادة . وتقرون أنه مولى النعم . وعن النبي A : " يقول الله تعالى : إني والجن والإنس في نبأ عظيم أخلق ويعبد غيري وأرزق ويشكر غيري " .
" إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله فم اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن الله غفور رحيم " قرئ : حرم على البناء للفاعل وحرم على البناء للمفعول وحرم بوزن كرم " أهل به لغير الله " أي رفع به الصوت للصنم وذلك قول أهل الجاهلية : باسم اللات والعزى " غير باغ " على مضطر آخر بالاستيثار " ولا عاد " سد الجوعة . فإن قلت : في الميتات ما يحل وهو السمك والجراد . قال رسول الله A : " أحلت لنا ميتتان ودمان " . قلت : قصد ما يتفاهمه الناس ويتعارفونه في العادة . ألا ترى أن القائل إذا قال : أكل فلان ميتة لم يسبق الوهم إلى السمك والجراد كما لو قال : أكل دما لم يسبق إلى الكبد والطحال . ولاعتبار العادة والتعارف قالوا : من حلف لا يأكل لحما فأكل سمكا لم يحنث - وإن أكل لحما في الحقيقة قال الله تعالى : " لتأكلوا منه لحما طريا " النحل : 14 ، وشبهوه بمن حلف لا يركب دابة فركب كافرا لم يحنث - وإن سماه الله تعالى دابة في قوله : " إن شر الدواب عند الله الذين كفروا " الأنفال : 55 . فإن قلت : فما له ذكر لحم الخنزير دون شحمه ؟ قلت : لأن الشحم داخل في ذكر اللحم لكونه تابعا له وصفه فيه بدليل قولهم : لحم سمين يريدون أنه شحيم .
" إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد "