ولا يأكل بعضكم مال بعض " بالباطل " بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه . و لا " تدلوا بها " ولا تلقوا أمرها واحكومة فيها إلى الحكام " لتأكلوا " بالتحاكم " فريقا " طائفة " من أموال الناس بالإثم " بشهادة الزور أو باليمين الكاذبة أو بالصلح مع العلم بأن المقضي له ظالم . وعن النبي A أنه قال للخصمين : " إنما أنا بشر وأنتم تختصمون إلي ولعل بعضكم ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئا فإنما أقضي له قطعة من نار " فبكيا وقال كل واحد منهما : حقي لصاحبي . فقال : " اذهبا فتوخيا ثم استهما ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه " وقيل : " وتدلوا بها " وتلقوا بعضها إلى حكام السوء على وجه الرشوة . وتدلوا : مجزوم داخل في حكم النهي أو منصوب بإضمار أن كقوله : " وتكتموا الحق " البقرة : 42 . " وأنتم تعلمون " أنكم على الباطل وارتكاب المعصية مع العلم بقبحها أقبح وصاحبه أحق بالتوبيخ .
" يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ولكن البر من اتقى وأتوا البيوت من أبوابها واتقوا الله لعلكم تفلحون " وروي أن معاذ بن جبل وثعلبة بن غنم الأنصاري قالا : يا رسول الله ما بال الهلال يبدو دقيقا مثل الخيط ثم يزيد حتى يمتلئ ويستوي ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما بدا لا يكون على حالة واحدة ؟ فنزلت . " مواقيت " معالم يوقت بها الناس مزارعهم ومتاجرهم ومحال ديونهم وصومهم وفطرهم وعدد نسائهم وأيام حيضهن ومدد حملهن وغير ذلك ومعالم للحج يعرف بها وقته . كان ناس من الأنصار إذا أحرموا لم يدخل أحد منهم حائطا ولا دارا ولا فسطاطا من باب فإذا كان من أهل المدر نقب نقبا في ظهر بيته منه يدخل ويخرج أو يتخذ سلما يصعد فيه ؛ وإن كان من أهل الوبر خرج من خلف الخباء فقيل لهم : " وليس البر " بتحرجكم من دخول الباب " ولكن البر " بر " من اتقى " ما حرم الله . فإن قلت : ما وجه اتصاله بما قبله ؟ قلت : كأنه قيل لهم عند سؤالهم عن الأهلة وعن الحكمة في نقصانها - وتمامها معلوم - : أن كل ما يفعله الله D لا يكون إلا حكمة بالغة ومصلحة لعباده فدعوا السؤال عنه وانظروا في واحدة تفعلونها أنتم مما ليس من البر في شيء وأنتم تحسبونها برا . ويجوز أن يجري ذلك على طريق الاستطراد لما ذكر أنها مواقيت للحج لأنه كان من أفعالهم في الحج . ويحتمل أن يكون هذا تمثيلا لتعكيسهم في سؤالهم وأن مثلهم فيه كمثل من يترك باب البيت ويدخله من ظهره . والمعنى : ليس البر وما ينبغي أن تكونوا عليه بأن تعكسوا في مسائلكم ولكن البر بر من اتقى ذلك وتجنبه ولم يجسر على مثله . ثم قال : " وأتوا البيوت من أبوابها " أي وباشروا الأمور من وجوهها التي يجب أن تباشر عليها ولا تعكسوا . والمراد وجوب توطين النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال الله حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ولا اعتراض شك في ذلك حتى لا يسأل عنه ؛ لما في السؤال من الاتهام بمقارفة الشك " لا يسأل عما يفعل وهم يسألون " الأنبياء : 21 .
" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين "