وقوله : " من الفجر " بيان للخيط الأبيض واكتفى به عن بيان الخيط الأسود . لأن بيان أحدهما بيان للثاني . ويجوز أن تكون من للتبعيض : لأنه بعض الفجر وأوله . فإن قلت : أهذا من باب الاستعارة أم من باب التشبيه ؟ قلت : قوله : " من الفجر " أخرج من باب الاستعارة كما أن قولك : رأيت أسدا مجاز . فإذا زدت من فلان رجع تشبيها . فإن قلت : فلم زيد " من الفجر " حتى كان تشبيها ؟ وهلا اقتصر به على الاستعارة التي هي أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة ؟ قلت : لأن من شرط المستعار أن يدل عليه الحال أو الكلام ولو لم يذكر " من الفجر " لم يعلم أن الخيطين مستعاران فزيد " من الفجر " فكان تشبيها بليغا وخرج من أن يكون استعارة . فإن قلت : فكيف التبس على عدي بن حاتم مع هذا البيان حتى قال : عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي فكنت أقوم من الليل فأنظر إليهما فلا يتبين لي الأبيض من الأسود فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله A فأخبرته فضحك وقال : " إن كان وسادك لعريضا " وروي : " إنك لعريض القفا إنما ذاك بياض النهار وسواد الليل " ؟ قلت : غفل عن البيان ولذلك عرض رسول الله A قفاه لأنه مما يستدل به على بلاهة الرجل وقلة فطنته . وأنشدتني بعض البدويات لبدوي : .
عريض القفا ميزانه في شماله ... قد انحص من حسب القراريط شاربه .
فإن قلت : فما تقول فيما روي عن سهل بن سعد الساعدي : أنها نزلت ولم ينزل " من الفجر " فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبينا له فنزل بعد ذلك " من الفجر " فعلموا أنه إنما يعني بذلك الليل والنهار ؟ وكيف جاز تأخير البيان وهو يشبه العبث حيث لا يفهم منه المراد إذ ليس باستعارة لفقد الدلالة ولا بتشبيه قبل ذكر الفجر فلا يفهم منه إذن إلا الحقيقة وهي غير مرادة ؟ قلت : أما من لم يجوز تأخير البيان - وهم أكثر الفقهاء والمتكلمين وهو مذهب أبي علي وأبي هاشم - فلم يصح عندهم هذا الحديث . وأما من يجوزه فيقول : ليس بعبث . لأن المخاطب يستفيد منه وجوب الخطاب ويعزم على فعله إذا استوضح المراد منه " ثم أتموا الصيام إلى الليل " قالوا : فيه دليل على جواز النية بالنهار في صوم رمضان وعلى جواز تأخير الغسل إلى الفجر وعلى نفي صوم الوصال " عاكفون في المساجد " معتكفون فيها . والاعتكاف أن يحبس نفسه في المسجد يتعبد فيه . والمراد بالمباشرة الجماع لما تقدم من قوله : " أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم " " فالآن باشروهن " وقيل معناه : ولا تلامسوهن بشهوة والجماع يفسد الاعتكاف وكذلك إذا لمس أو قبل فأنزل . وعن قتادة كان الرجل إذا اعتكف خرج فباشر امرأته ثم رجع إلى المسجد فنهاهم الله عن ذلك . وقالوا : فيه دليل على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد وأنه لا يختص به مسجد دون مسجد . وقيل : لا يجوز إلا في مسجد نبي وهو أحد المساجد الثلاثة . وقيل : في مسجد جامع . والعامة على أنه في مسجد جماعة . وقرأ مجاهد : في المسجد " تلك " الأحكام التي ذكرت " حدود الله فلا تقربوها " فلا تغشوها . فإن قلت : كيف قيل : " فلا تقربوها " مع قوله : " فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله " البقرة : 229 ؟ قلت : من كان في طاعة الله والعمل بشرائعه فهو متصرف في حيز الحق فنهى أن يتعداه لأن من تعداه وقع في حيز الباطل ثم بولغ في ذلك فنهى أن يقرب الحد الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل لئلا يداني الباطل وأن يكون في الواسطة متباعدا عن الطرف فضلا عن أن يتخطاه كما قال رسول الله A : " إن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه " فالرتع حول الحمى وقربان حيزه واحد . ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصا لقوله : " ولا تباشروهن " وهي حدود لا تقرب .
" ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون "