أي وقت الحج " أشهر " كقولك : البرد شهران . والأشهر المعلومات : شوال وذو القعدة وعشر ذي الحجة عند أبي حنيفة . وعند الشافعي : تسع ذي الحجة وليلة يوم النحر . وعند مالك : ذي الحجة كله . فإن قلت : ما فائدة توقيت الحج بهذه الأشهر ؟ قلت : فائدته أن شيئا من أفعال الحج لا يصح إلا فيها والإحرام بالحج لا ينعقد أيضا عند الشافعي في غيرها . وعند أبي حنيفة ينعقد إلا أنه مكروه . فإن قلت : فكيف كان الشهران وبعض الثالث أشهر ؟ قلت : اسم الجمع يشترك فيه ما وراء الواحد . بدليل قوله تعالى : " فقد صغت قلوبكما " التحريم : 4 ، فلا سؤال فيه إذن وإنما كان يكون موضعا للسؤال لو قيل : ثلاثة أشهر معلومات . وقيل : نزل بعض الشهر منزلة كله كما يقال : رأيتك سنة كذا أو على عهد فلان ولعل العهد عشرون سنة أو أكثر وإنما رآه في ساعة منها . فإن قلت : ما وجه مذهب مالك وهو مروي عن عروة بن الزبير ؟ قلت : قالوا إن العمرة غير مستحبة فيها عند عمر وابن عمر ؛ فكأنها مخلصة للحج لا مجال فيها للعمرة . وعن عمر Bه : أنه كان يخفق الناس بالدرة وينهاهم عن الاعتمار فيهن . وعن عمر Bه قال لرجل : إن أطعتني انتظرت حتى إذا أهللت المحرم خرجت إلى ذات عرق فأهللت منها بعمرة . وقالوا : لعل من مذهب عروة جواز تأخير طواف الزيارة إلى آخر الشهر " معلومات " معروفات عند الناس لا يشكلن عليهم . وفيه أن الشرع لم يأت على خلاف ما عرفوه وإنما جاء مقررا له " فمن فرض فيهن الحج " فمن ألزم نفسه بالتلبية أو بتقليد الهدي وسوقه عند أبي حنيفة وعند الشافعي بالنية " فلا رفث " فلا جماع ؛ لأنه يفسده . أو فلا فحش من الكلام " ولا فسوق " ولا خروج عن حدود الشريعة وقيل : هو السباب والتنابز بالألقاب " ولا جدال " ولا مراء مع الرفقاء والخدم والمكارين : وإنما أمر باجتناب ذلك . وهو واجب الاجتناب في كل حال لأنه مع الحج أسمج كلبس الحرير في الصلاة ؛ والتطريب في قراءة القرآن . والمراد بالنفي وجوب انتفائها وأنها حقيقة بأن لا تكون . وقرئ المنفيات الثلاثة بالنصب وبالرفع . وقرأ أبو عمرو وابن كثير الأولين بالرفع ؛ والآخر بالنصب : لأنهما حملا الأولين على معنى النهي كأنه قيل : فلا يكونن رفث ولا فسوق والثالث على معنى الإخبار بانتفاء الجدال كأنه قيل : ولاشك ولا خلاف في الحج وذلك أن قريشا كانت تخالف سائر العرب فتقف بالمشعر الحرام وسائر العرب يقفون بعرفة ؛ وكانوا يقدمون الحج سنة ويؤخرونه سنة وهو النسيء فرد إلى وقت واحد ورد الوقوف إلى عرفة فأخبر الله تعالى أنه قد ارتفع الخلاف في الحج . واستدل على أن المنهي عنه هو الرفث والفسوق دون الجدال بقوله A : " من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج كهيئة يوم ولدته أمه " وأنه لم يذكر الجدال " وما تفعلوا من خير يعلمه الله " حث على الخير عقيب النهي عن الشر ؛ وأن يستعملوا مكان القبيح من الكلام الحسن ومكان الفسوق البر والتقوى ؛ ومكان الجدال الوفاق والأخلاق الجميلة . أو جعل فعل الخير عبارة عن ضبط أنفسهم حتى لا يوجد منهم ما نهوا عنه وينصره قوله تعالى : " وتزودوا فإن خير الزاد التقوى " أي اجعلوا زادكم إلى الآرة اتقاء القبائح فإن خير الزاد اتقاؤها . وقيل : كان أهل اليمن لا يتزودون ويقولون : نحن متوكلون ونحن نحج بيت الله أفلا يطعمنا فيكونون كلا على الناس فنزلت فيهم . ومعناه : وتزودوا واتقوا الاستطعام وإبرام الناس والتثقيل عليهم فإن خير الزاد التقوى " واتقون " وخافوا عقابي " يا أولي الألباب " يعني أن قضية اللب تقوى الله ومن لم يتقه من الألباب فكأنه لا لب له .
" ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق ومنهم من يقول ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب "