والحسنتان ما هو طلبة الصالحين في الدنيا من الصحة والكفاف والتوفيق في الخير وطلبتهم في الآخرة من الثواب . وعن علي Bه : الحسنة في الدنيا المرأة الصالحة وفي الآخرة الحوراء . وعذاب النار : امرأة السوء . " أولئك " الداعون بالحسنتين " لهم نصيب مما كسبوا " أي نصيب من جنس ما كسبوا من الأعمال الحسنة وهو الثواب الذي هو المنافع الحسنة . أو من أجل ما كسبوا كقوله : " مما خطيئاتهم أغرقوا " نوح : 25 . أو لهم نصيب مما دعوا به نعطيهم منه ما يستوجبونه بحسب مصالحهم في الدنيا واستحقاقهم في الآخرة . وسمى الدعاء كسبا لأنه من الأعمال والأعمال موصوفة بالكسب : بما كسبت أيديكم . ويجوز أن يكون أولئك للفريقين جميعا وأن لكل فريق نصيبا من جنس ما كسبوا " والله سريع الحساب " يوشك أن يقيم القيامة ويحاسب العباد . فبادروا إكثار الذكر وطلب الآخرة أو وصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدل على كمال قدرته ووجوب الحذر منه . روي : أنه يحاسب الخلق في قدر حلب شاة . وروى في مقدار فواق ناقة . وروي في مقدار لمحة .
" واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون " الأيام المعدودات أيام التشريق وذكر الله فيها : التكبير في أدبار الصلوات وعند الجمار . وعن عمر Bه : أنه كان يكبر في فسطاطه بمنى فيكبر من حوله حتى يكبر الناس في الطريق وفي الطواف " فمن تعجل " فمن عجل في النفر أو استعجل النفر . وتعجل واستعجل : يجيئان مطاوعين بمعنى عجل . يقال : تعجل في الأمر واستعجل : ومتعديين يقال : تعجل الذهاب واستعجله . والمطاوعة أوفق لقوله : " ومن تأخر " كما هي كذلك في قوله : .
قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل .
لأجل المتأني " في يومين " بعد يوم النحر يوم القر وهو اليوم الذي يسميه أهل مكة يوم الرؤوس واليوم بعده ينفر إذا فرغ من رمي الجمار كما يفعل الناس اليوم وهو مذهب الشافعي ويروى عن قتادة . وعند أبي حنيفة وأصحابه ينفر قبل طلوع الفجر " ومن تأخر " حتى رمى في اليوم الثالث . والرمي في اليوم الثالث يجوز تقديمه على الزوال عند أبي حنيفة . وعند الشافعي لا يجوز . فإن قلت : كيف قال : " فلا إثم عليه " عند التعجل والتأخر جميعا ؟ قلت : دلالة على أن التعجل والتأخر مخير فيهما كأنه قيل : فتعجلوا أو تأخروا . فإن قلت : أليس التأخر بأفضل ؟ قلت : بلى ويجوز أن يقع التخيير بين الفاضل والأفضل كما خير المسافر بين الصوم والإفطار وإن كان الصوم أفضل وقيل : إن أهل الجاهلية كانوا فريقين : منهم من جعل المتعجل آثما ومنهم من جعل المتأخر آثما فورد القرآن بنفي المأثم عنهما جميعا " لمن اتقى " أي ذلك التخيير ونفي الإثم عن المتعجل والمتأخر لأجل الحاج المتقي لئلا يتخالج في قلبه شيء منهما فيحسب أن أحدهما يرهق صاحبه آثام في الإقدام عليه لأن ذا التقوى حذر متحرز من كل ما يريبه ولأنه هو الحاج على الحقيقة عند الله . ثم قال : " واتقوا الله " ليعبأ بكم . ويجوز أن يراد ذلك الذي مر ذكره من أحكام الحج وغيره لمن اتقى لأنه هو المنتفع به دون من سواه كقوله : " ذلك خير للذين يريدون وجه الله " الروم : 38 .
" ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد وإذا قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد "