يوحون بالخطب الطول وتارة ... وحي الملاحظ خيفة الرقباء .
ومما ثنى من التمثيل في التنزيل قوله : " وما يستوي الأعمى والبصير ولا الظلمات ولاالنور ولا الظل ولا الحرور وما يستوي الأحياء ولا الأموات " فاطر : وألا ترى إلى ذي الرمةكيف صنع في قصيدته : .
أذاك أم نمش بالوشي أكرعه .
أذاك أم خاضب بالسي مرتعه .
فإن قلت : قد شبه المنافق في التمثيل الأول بالمستوقد نارا واظهاره الإيمان بالإضاءة وانقطاع انتفاعه بانطفاء النار فما ذا شبه في التمثيل الثاني بالصيب وبالظلمات وبالرعد وبالبرق وبالصواعق . قلت : لقائل أن يقول : شبه دين الإسلام بالصيب لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر . وما يتعلق به من شبه الكفار بالظلمات . وما فيه من الوعد والوعيد بالرعد والبرق . وما يصيب الكفرة من الأفزاع والبلايا والفتن من جهة أهل الإسلام بالصواعق . والمعنى : أو كمثل ذوي صيب . والمراد كمثل قوم أخذتهم السماء على هذه الصفة فلقوا منها ما لقوا . فإن قلت : هذا تشبيه أشياء بأشياء فأين ذكر المشبهات . وهلا صرح به كما في قوله : " وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء " غافر : وفي قول امرئ القيس : .
كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي .
قلت : كما جاء ذلك صريحأ فقد جاء مطويا ذكره على سنن الاستعارة كقوله تعالى : " وما يستوي البحران هذاعذب فرات سائغ شرابه وهذاملح أجاج " فاطر : " ضرب الله مثلا رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل " الزمر : والصحيح الذي عليه علماء البيان لا يتخطونه : أن التمثيلين جميعا من جملة التمثيلات المركبةدون المفرقه لا يتكلف الواحد واحد شيء يقدرشبهه به وهو القول الفحل والمذهب الجزل بيانه : أن العرب تأخذ أشياء فرادى معزولا بعضها من بعض لم يأخذ هنا بحجزة ذاك فتشبهها بنظائرها كما فعل امرؤ القيس وجاء في القرآن وتشبه كيفية حاصلة من مجموع أشياء قد تضامت وتلاصقت حتى عادت شيئا واحدا بأخرى مثلها كقوله تعالى : " مثل الذين حملوا التوراة " الجمعة : الآية . الغرض تشبيه حال اليهود في جهلها بما معها من التوراة وآياتها الباهرة بحال الحمار في جهله بما يحمل من أسفار الحكمة وتساوي الحالتين عنده من حمل أسفار الحكمة وحمل ما سواها من الأوقار لا يشعر من ذلك إلا بما يمر بدفيه من الكد والتعب . وكقوله : " واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء " الكهف : المراد قلة بقاء زهرة الدنيا كقلة بقاء الخضر . فأما أن يراد تشبيه الأفراد بالأفراد غير منوط بعضها ببعض ومصيرة شيئا واحدا فلا . فكذلك لما وصف وقوع المنافقين في ضلالتهم وما خبطوا فيه من الحيرة والدهشة شبهت حيرتهم وشدة الأمر عليهم بما يكابد من طفئت ناره بعد إيقادها في ظلمة الليل وكذلك من أخذته السماء في الليلة المظلمة مع رعد وبرق وخوف من الصواعق . فإن قلت : الذي كنت تقدره في المفرق من التشبيه من حذف المضاف وهو قولك : " أو كمثل ذوي صيب " هل تقدر مثله في المركب منه قلت : لولا طلب الراجع في قوله تعالى : " يجعلون أصبعهم في ءاذانهم " ما يرجع إليه لكنت مستغنيا عن تقديره لأني أراعي الكيفية المنتزعة من مجموع الكلام فلا علي أولي حرف التشبيه مفرد يتأتى التشبيه به أم لم يله . ألا ترى إلى قوله : " إ إنما مثل الحياة الدنيا " يس : الآية كيف ولي الماء الكاف وليس الغرض تشبيه الدنيا بالماء ولا بمفرد آخر يتمحل لتقديره . ومما هو بين في هذا قول لبيد : .
وماالناس إلآ كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها وغدوا بلاقع