لم يشبه الناس بالديار وإنما شبه وجودهم في الدنيا وسرعة زوالهم وفنائهم بحلول أهل الديار فيها ووشك نهوضهم عنها وتركها خلاء خاوية . فإن قلت : أي التمثيلين أبلغ قلت : الثاني لأنه أدل على فرط الحيرة وشدة الأمر وفظاعته ولذلك أخر وهم يتدرجون في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ . فإن قلت : لم عطف أحد التمثيلين على الاخر بحرف الشك قلت : أو في أصلها لتساوي شيئين فصاعدا في الشك ثم اتسع فيها فاستعيرت للتساوي في غير الشك وذلك قولك : جالس الحسن أو ابن سيرين تريد أنهما سيان في استصواب أن يجالسا ومنه قوله تعالى : " ولاتطع منهم آثماأوكفورا " الإنسان : أي الآثم والكفور متساويان في وجوب عصيانهما فكذلك قوله : " أوكصيب " معناه أن كيفية قصة المنافقين مشبهة لكيفيتي هاتين القصتين وأن القصتين سواء في استقلال كل واحدة منهما بوجه التمثيل فبأيتهما مثلتها فأنت مصيب وإن مثلتها بهما جميعا فكذلك . والصيب : المطر الذي يصوب أي ينزل ويقع . ويقال للسحاب : صيب أيضا . قال الشماخ : .
وأسحم دان صادق الرعد صيب .
وتنكير صيب لأنه أريد نوع من المطر شديد هائل . كما نكرت النار في التمثيل الأول . وقرئ : كصائب والصيب أبلغ . والسماء : هذه المظلة . وعن الحسن : أنها موج مكفوف . فإن قلت : قوله : " من السمآء " ما الفائدة في ذكره والصيب لا يكون إلا من السماء . قلت : الفائدة فيه أنه جاء بالسماء معرفة فنفى أن يتصوب من سماء أي من أفق واحد من بين سائر الآفاق لأن كل أفق من آفاقها سماء كماأن كل طبقة من الطباق سماء في قوله : " وأوحى في كل سماء أمرها " فصلت : الدليل عليه قوله : .
ومن بعد أرض بيننا وسماء .
والمعنى أنه غمام مطبق آخذ بافاق السماء كما جاء بصيب . وفيه مبالغات من جهة التركيب والبناء والتنكير . أمد ذلك بأن جعله مطبقا . وفيه أن السحاب من السماء ينحدرومنها يأخذ ماءه لا كزعم من يزعم أنه يأخذه من البحر . ويؤيده قوله تعالى : " وينزل من السماء من جبال فيها من برد " النور : فإن قلت : بم ارتفع ظلمات قلت : بالظرف على الاتفاق لاعتماده على موصوف . والرعد : الصوت الذي يسمع من السحاب كأن أجرام السحاب تضطرب وتنتقض إذا حدتها الريح فتصوت عند ذلك من الارتعاد . والبرق الني يلمع من السحاب من برق الشيء بريقا إذا لمع . فإن قلت : قد جعل الصيب مكانا للظلمات فلا يخلو من أن يراد به السحاب أو المطر فأيهما أريد فما ظلماته قلت : أما ظلمات السحاب فإذا كان أسحم مطبقا فظلمتا سجمته وتطبيقه مضمومة إليهما ظلمة الليل . وأما ظلمات المطر فظلمة تكاثفه وانتساجه بتتابع القطر وظلمة إظلال غمامه مع ظلمة الليل . فإن قلت : كيف يكون المطر مكانا للبرق والرعد وإنما مكانهما السحاب . قلت إذا كانا في أعلاه ومصبه وملتبسين في الجملة فهما فيه . ألاتراك تقول : فلان في البلد وما هو منه إلا في حيز يشغله جرمه . فإن قلت : هلا جمع الرعد والبرق أخذا بالأبلغ كقول البحتري : .
يا عارضا متلفعا ببروده ... يختال بين بروقه ورعوده .
وكما قيل ظلمات قلت : فيه وجهان : أحدهما أن يراد العينان ولكنهما لما كانا مصدرين في الأصل - يقال : رعدت السماء رعدا وبرقت برقا - روعى حكم أصلهما بأن ترك جمعهما وإن أريد معنى الجمع . والثاني : أن يراد الحدثان كأنه قيل : وإرعاد وإبراق وإنما جاءت هذه الأشياء منكرات لأن المراد أنواع منها كأنه قيل : فيه ظلمات داجية ورعد قاصف وبرق خاطف . وجاز رجوع الضمير في يجعلون إلى أصحاب الصيب مع كونه محذوفا قائما مقامه الصيب كما قال : " أو هم قائلون " الأعراف : لأن المحذوف باق معناه وإن سقط لفظه . ألا ترى إلى حسان كيف عول على بقاء معناه في قوله : .
يسقون من ورد البريص عليهم ... بردى يصفق بالرحيق السلسل