حيث ذكر يصفق لأن المعنى ماء بردى ولا محل لقوله : " يجعلون " لكونه مستأنفا لأنه لما ذكر الرعد والبرق على ما يؤذن بالشدة والهول فكأن قائلا قال : فكيف حالهم مع مثل ذلك الرعد فقيل : " يجعلون أصبعهم في ءاذانهم " ثم قال : فكيف حالهم مع مثل ذلك البرق فقيل : يكاد البرق يخطف أبصارهم . فإن قلت : رأيس الأصبع هوالذي يجعل في الأذن فهلا قيل أناملهم قلت : هذا من الاتساعات في اللغة التي لا يكاد الحاصر يحصرها كقوله : " فاغسلواوجوهكم وأيدكم " المائدة : " فاقطعوا أيديهما " المائدة : أراد البعض الذي هو إلى المرفق والذي إلى الرسغ . وأيضاففي ذكرالأصابع من المبالغة ماليس في ذكر الأنامل . فإن قلت : فالأصبع التي تسدبها الأذن أصبع خاصة فلم ذكر الاسم العام دون الخاص قلت : لأن السبابة فعالة من السب فكان اجتنابها أولى باداب القرآن . ألا ترى أنهم قد استبشعوها فكنوا عنها بالمسبحة والسباحة والمهللة والدعاءة . فإن قلت : فهلا ذكر بعض هذه الكنايات قلت : هي ألفاظ مستحدثة لم يتعارفها الناس في ذلك العهد وإنما أحدثوها بعد . وقوله : " من الصواعق " متعلق بيجعلون أي : من أجل الصواعق يجعلون أصابعهم في آذانهم كقولك : سقاه من العيمة . والصاعقة : قصفة رعد تنقض معها شقة من نار قالوا : تنقدح من السحاب إذا اصطكت أجرامه وهي نار لطيفة حديدة . لا تمر بشيء إلا أتت عليه إلا أنها مع حدتها سريعة الخمود . يحكى أنها سقطت على نخلة فأحرقت نحو النصف ثم طفئت . ويقال : صعقته الصاعقة إذا أهلكته فصعق أي مات إما بشدة الصوت أو بالإحراق . ومنه قوله تعالى : " وخرموسى صعقا " الأعراف : وقرأ الحسن : " من الصواقع " وليس بقلب للصواعق لأن كلا البنائين سواء في التصرف وإذا استويا كان كل واحد بناء على حياله . ألا تراك تقول : صقعه على رأسه وصقع الديك وخطيب مصقع : مجهر بخطبته . ونظيره " جبذ " في " جذب " ليس بقلبه لاستوائهما في التصرف . وبناؤها إما أن يكون صفة لقصفة الرعد أو للرعد والتاء مبالغة كما في الراوية أو مصدرا كالكاذبة والعافية . وقرأ ابن أبي ليلى : حذار الموت وانتصب على أنه مفعول له كقوله : .
وأغفرعوراء الكريم ادخاره .
والموت فساد بنية الحيوان . وقيل : عرض لا يصح معه إحساس معاقب للحياة . وإحاطة الله بالكافرين مجاز . والمعنى أنهم لا يفوتونه كما لا يفوت المحاط به المحيط به حقيقة . وهذه الجملة اعتراض لامحل لها . والخطف : الأخذ بسرعة . وقرأ مجاهد " يخطف " بكسر الطاء والفتح أفصح وأعلى وعن ابن مسعود : يختطف . وعن الحسن : يخطف بفتح الياء والخاء وأصله يختطف . وعنه : يخطف بكسرهما على إتباع الياء الخاء . وعن زيد بن علي : يخطف من خطف . وعن أبي : " يتخطف " من قوله : " وتخطف الناس من حولهم " العنكبوت : " كلما أضاء لهم " استئناف ثالث كأنه جواب لمن يقول : كيف يصنعون في تارتي خفوق البرق وخفيته وهذا تمثيل لشدة الأمرعلى المنافقين بشدته على أصحاب الصيب وما هم فيه من غاية التحير والجهل بما يأتون وما يذرون إذاصادفوا من البرق خفقة مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا تلك الخفقة فرصة فخطوا خطوات يسيرة فإذا خفى وفتر لمعانه بقوا واقفين متقيدين عن الحركة ولو شاء الله لزاد في قصيف الرعد فأصمهم أو في ضوء البرق فأعماهم . وأضاء : إما متعد بمعنى : كلما نور لهم ممشى ومسلكا أخذوه والمفعول محذوف . وإما غير متعد بمعنى : كلما لمع لهم " مشوا " في مطرح نوره وملقى ضوئه . ويعضده قراءة ابن أبي عبلة : كلما ضاء لهم . والمشي : جنس الحركة المخصوصة . فإذا اشتد فهو سعي . فإذا ازداد فهو عدو . فإن قلت : كيف قيل مع الإضاءة : كلما ومع الإظلام : إذا قلت : لأنهم حراص على وجود ما همهم به معقود من إمكان المشي وتأتيه فكلما صادفوا منه فرصة انتهزوها وليس كذلك التوقف والتحبس . وأظلم : يحتمل أن يكون غير متعد وهو الظاهر وأن يكون متعديا منقولا من ظلم الليل . وتشهد له قراءة يزيد بن قطيب : أظلم على ما لم يسم فاعله . وجاء في شعر حبيب بن أوس : .
هما أظلماحالي ثمت أجليا ... ظلاميهما عن وجه أمرد أشيب .
وهووإن كان محدثأ لا يستشهد بشعره في اللغة فهو من علماء العربية فاجعل ما