اشتد حزنه على قومه ثم أنكر على نفسه فقال : فكيف يشتد حزني على قوم ليسوا بأهل للحزن عليهم لكفرهم واستحقاقهم ما نزل بهم ويجوز أن يريد لقد أعذرت إليكم في الإبلاغ والنصيحة والتحذير مما حل بكم فلم تسمعوا قولي ولم تصدقوني فكيف آسي عليكم يعني أنه لا يأسى عليهم لأنهم ليسوا أحقاء بالأسى . وقرأ يحيى بن وثاب : فكيف يأسى بكسر الهمزة .
" وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء والضراء لعلهم يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهو لا يشعرون " .
" إلا أخذنا أهلها بالبأساء " بالبؤس والفقر " والضراء " بالضر والمرض لاستكبارهم عن اتباع نبيهم وتعززهم عليه " لعلهم يضرعون " ليتضرعوا ويتذللوا ويحطوا أردية الكبر والعزة " ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة " أي أعطيناهم بدل ما كانوا فيه من البلاء والمحنة والرخاء والصحة والسعة كقوله : " وبلوناهم بالحسنات والسيئات " الأعراف : 168 ، " حتى عفوا " كثروا ونموا في أنفسهم وأموالهم من قولهم : عفا النبات وعفا الشحم والوبر إذا كثرت . ومنه قوله A : " واعفوا اللحى " وقال الحطيئة : .
بمستأسد القريان عاف نباته .
وقال : .
ولكنا نعض السيف منها ... بأسواق عافيات الشحم كوم .
" وقالوا قد مس آباءنا الضراء والسراء " يعني وأبطرتهم النعمة وأشروا فقالوا : هذه عادة الدهر يعاقب في الناس بين الضراء والسراء . وقد مس آباؤنا نحو ذلك وما هو بابتلاء من الله لعباده فلم يبق بعد ابتلائهم بالسيئات والحسنات إلا أن نأخذهم بالعذاب " فأخذناهم " أشد الأخذ وأفظعه وهو أخذهم فجأة من غير شعور منهم .
" ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون " .
اللام في القرى : إشارة إلى القرى التي دل عليها قوله : " وما أرسلنا في قرية من نبي " الأعراف : 94 ، كأنه قال : ولو أن أهل تلك القرى الذين كذبوا وأهلكوا " آمنوا " بدل كفرهم " واتقوا " المعاصي مكان ارتكابها لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض " لآتيناهم بالخير من كل وجه . وقيل : أراد المطر والنبات " ولكن كذبوا فأخذناهم " بسوء كسبهم ويجوز أن تكون اللام في القرى للجنس . فإن قلت : ما معنى فتح البركات عليهم ؟ قلت : تيسيرها عليهم كما ييسر أمر الأبواب المستغلقة بفتحها . ومنها قولهم : فتحت على القارئ إذا تعذرت عليه القراءة فيسرتها عليه بالتلقين .
" أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بيتا وهم نائمون أو أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون " .
البيات يكون بمعنى البيتوتة . يقال : بات بياتا . ومنه قوله تعالى : " فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون " الأعراف : 4 ، وقد يكون بمعنى : التبييت كالسلام بمعنى التسليم . يقال : بيته العدو بياتا فيجوز أن يراد : أن يأتيهم بأسنا بائتين أو وقت بيات أو مبيتا أو مبيتين أو يكون بمعنى تبييتا كأنه قيل : أن يبيتهم بأسنا بياتا . و " ضحى " نصب على الظرف . يقال : أتانا ضحى وضحيا وضحاء والضحى في الأصل اسم لضوء الشمس إذا أشرقت وارتفعت . والفاء والواو في " أفأمن " و " أو أمن " حرفا عطف دخلت عليهما همزة الإنكار . فإن قلت : ما المعطوف عليه ؟ ولم عطفت الأولى بالفاء والثانية بالواو ؟ قلت : المعطوف عليه قوله : " فأخذناهم بغتة " وقوله : " ولو أن أهل القرى " الأعراف : 96 ، إلى " يكسبون " وقع اعتراضا بين المعطوف والمعطوف عليه وإنما عطف بالفاء لأن المعنى : علوا وصنعوا فأخذناهم بغتة أبعد ذلك أمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتا وأمنوا أن يأتيهم بأسنا ضحى ؟ وقرئ : أو أمن على العطف بأو " وهم يلعبون " يشتغلون بما لا يجدي عليهم كأنهم يلعبون .
" أفأمنوا مكر الله فلا يأمر مكر الله إلا القوم الخاسرين " .
فإن قلت : فلم رجع فعطف بالفاء قوله : " أفأمنوا مكر الله " قلت : هو تكرير لقوله : " أفأمن أهل القرى " الأعراف : 97 ، ومكر الله : استعارة لأخذه العبد من حيث لا يشعر ولاستدراجه . فعلى العاقل أن يكون في خوفه من مكر الله كالمحارب الذي يخاف . من عدوه الكمين والبيات والغيلة . وعن الربيع بن خثيم : أن ابنته قالت له : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام فقال : يا بنتاه إن أباك يخاف البيات أراد قوله : " أن يأتيهم بأسنا بياتا "