" ألم يهد للذين يورثون الأرض من بعد أهلها أن لو نشاء أصبناهم بذنوبهم ونطبع على قلوبهم فهم لا يسمعون " .
إذا قرئ : أو لم يهد بالياء كان " أن لو نشاء " مرفوعا بأنه فاعله بمعنى : أو لم يهد للذين يخلفون من خلا قبلهم في ديارهم ويرثون أرضهم هذا الشأن وهو أنا لو نشاء أصبناهم بذنوبهم كما أصبنا من قبلهم وأهلكنا الوارثين كما أهلكنا المورثين . لماذا قرئ بالنون فهو منصوب كأنه قيل : أو لم يهد الله للوارثين هذا الشأن بمعنى : أو لم نبين لهم أنا " لو نشاء أصبناهم بذنوبهم " كما أصبنا من قبلهم . وإنما عدى فعل الهداية باللام لأنه بمعنى التبيين . فإن قلت بم تعلق قوله تعالى : " ونطبع على قلوبهم " قلت : فيه أوجه أن يكون معطوفا على ما دل عليه معنى " أولم يهد " كأنه قيل : يغفلون عن الهداية ونطبع على قلوبهم . أو على يرثون الأرض أو يكون منقطعا بمعنى : ونحن نطبع على قلوبهم . فإن قلت : هل يجوز أن يكون " ونطبع " بمعنى وطبعنا كما كان " لو نشاء " بمعنى : لو شئنا ويعطف على أصبناهم ؟ قلت : لا يساعد عليه المعنى ؟ لأن القوم كانوا مطبوعا على قلوبهم موصوفين بصفة من قبلهم من اقتراف الذنوب والإصابة بها . وهذا التفسير يؤدي إلى خلوهم عن هذه الصفة وأن الله تعالى لو شاء لاتصفوا بها .
" تلك القرى نقص عليك من أنبائها ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا من قبل كذلك يطبع الله على قلوب الكافرين " .
" تلك القرى نقص عليك من أنبائها " كقوله : " هذا لعلي شيخا " هود : 72 ، في أنه مبتدأ وخبر وحال ويجوز أن يكون " القرى " صفة لتلك و " نقص " خبرا وأن يكون " القرى نقص " خبر بعد خبر . فإن قلت : ما معنى : " تلك القرى " حتى يكون كلاما مفيدا ؟ قلت : هو مفيد ولكن بشرط التقييد بالحال كما يفيد بشرط التقييد بالصفة في قولك : هو الرجل الكريم . فإن قلت : ما معنى الإخبار عن القرى بنقص عليك من أنبائها ؟ قلت : معناه : أن تلك القرى المذكورة نقص عليك بعض أنبائها ولها أنباء غيرها لم نقصها عليك " فما كانوا ليؤمنوا " عند مجيء الرسل بالبينات بما كذبوه من آيات الله من قبل مجيء الرسل أو فما كانوا ليؤمنوا إلى آخر أعمارهم بما كذبوا به أولا حين جاءتهم الرسل أي استمروا على التكذيب من لدن مجيء الرسل إليهم إلى أن ماتوا مصرين لا يرعوون ولا تلين شكيمتهم في كفرهم وعنادهم مع تكرر المواعظ عليهم وتتابع الآيات . ومعنى اللام تأكيد النفي وأن الإيمان كان منافيا لحالهم في التصميم على الكفر . وعن مجاهد : هو كقوله : " ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه " الأنعام : 28 ، . " كذلك " مثل ذلك الطبع الشديد نطبع على قلوب الكافرين .
" وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم لفاسقين " .
" وما وجدنا لأكثرهم من عهد " الضمير للناس على الإطلاق أي وما وجدنا لأكثر الناس من عهد يعني أن أكثرهم نقض عهد الله وميثاقه في الإيمان والتقوى " وإن وجدنا " وإن الشأن والحديث وجدنا أكثرهم فاسقين خارجين عن الطاعة مارقين . والآية اعتراض . ويجوز أن يرجع الضمير إلى الأمم المذكورين وأنهم كانوا إذا عاهدوا الله في ضر ومخافة لئن أنجيتنا لنؤمنن ثم نخاهم نكثوا كما قال قوم فرعون لموسى عليه السلام : " لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك " إلى قوله : " إذا هم ينكثون " الأعراف : 135 ، والوجود بمعنى العلم من قولك : وجدت زيدا ذا الحفاظ بدليل دخول إن المخففة واللام الفارقة . ولا يسوغ ذلك إلا في المبتدأ والخبر . والأفعال الداخلة عليهما .
" ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها فانظر كيف كان عاقبة المفسدين وقال موسى يا فرعون إني رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل " .
" من بعدهم " الضمير للرسل في قوله : " ولقد جاءتهم رسلهم " الأعراف : 101 ، أو للأمم " فظلموا بها " فكفروا بآياتنا . أجرى الظلم مجرى الكفر لأنهما من واد واحد " إن الشرك لظلم عظيم " لقمان : 13 ، أو فظلموا الناس بسببها حين أو عدوهم وصدوهم عنها وآذوا من آمن بها ولأنه إذا وجب الإيمان بها فكفروا بدل الإيمان كان كفرهم بها ظلما