" سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر " بمعنى : ستعرفونه معرفة جلية هي في الجلاء كإبصاركم القمر إذا امتلأ واستوى " قال لن تراني " أي لن تطيق معرفتي على هذه الطريقة ولن تحتمل قوتك تلك الآية المضطرة ولكن انظر إلى الجبل . فإني أورد عليه وأظهر له آية من تلك الآيات فإن ثبت لتجليها واستقر مكانه ولم يتضعضع فسوف تثبت لها وتطيقها " فلما تجلى ربك للجبل " فلما ظهرت له آية من آيات قدرته وعظمته " جعله دكا وخر موسى صعقا " لعظم ما رأى " فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك " مما اقترحت وتجاسرت " وأنا أول المؤمنين " بعظمتك وجلالك وأن شيئا لا يقوم لبطشك وبأسك .
" قال يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالتي وبكلامي فخذ ما أتيتك وكن من الشاكرين " .
" اصطفيتك على الناس " اخترتك على أهل زمانك وآثرتك عليهم " برسالتي " وهي أسفار التوراة " وبكلامي " وبتكليمي إياك " فخذ ما أتيتك " ما أعطيتك من شرف النبوة والحكمة " وكن من الشاكرين " على النعمة في ذلك فهي من أجل النعم . وقيل : حر موسى صعقا يوم عرفة وأعطي التوراة يوم النحر . فإن قلت : كيف قيل ؟ اصطفيتك على الناس وكان هارون مصطفى مثله ونبيا ؟ قلت : أجل ولكنه كان تابعا له وردءا وزيرا . والكليم : هو موسى عليه السلام والأصيل في حمل الرسالة .
" وكتبنا له في الألواح في كل شيء موعظة وتفصيلا لكل شيء فخذه بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها سأريكم دار الفاسقين سأصرف عن آياتي الذين يستكبرون في الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوا بآياتنا وكانوا عنها غافلين والذين كذبوا بآياتنا ولقاء الآخرة حبكت أعمالهم هل يجزون إلا ما كانوا يعملون " .
ذكروا في عدد الألواح وفي جوهرها وطولها أنها كانت عشرة ألواح وقيل : سبعة . وقيل لوحين وأنها كانت من زمرد جاء بها جبريل عليه السلام . وقيل : من زبرجدة خضراء وياقوتة حمراء . وقيل : أمر الله موسى بقطعها من صخرة صماء لينها له فقطعها بيده وشقها بأصابعه . وعن الحسن كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراة وأن طولها كان عشرة أذرع . وقوله : " من كل شيء " في محل النصب مفعول كتبنا . و " موعظة " وتفصيلا بدل منه . والمعنى : كتبنا له كل شيء كان بنو إسرائيل محتاجين إليه في دينهم من المواعظ وتفصيل الأحكام . وقيل : أنزلت التوراة وهي سبعون وقر بعير يقرأ الجزأ منه في سنة لم يقرأها إلا أربعة نفر : موسى ويوشع وعزير وعيسى عليه السلام . وعن مقاتل : كتب في الألواح : إني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشركوا بي شيئا ولا تقطعوا السبيل ولا تحلفوا باسمي كاذبين فإن من حلف باسمي كاذبا فلا أزكيه ولا تقتلوا ولا تزنوا ولا تعقوا الوالدين " فخذها " فقلنا له : خذها عطفا على كتبنا ويجوز أن يكون بدلا من قوله : " فخذ ما آتيتك " الأعراف : 144 ، والضمير في " فخذها " للألواح أو كل شيء لأنه في معنى الأشياء أو للرسالات أو للتوراة . ومعنى " بقوة " بجد وعزيمة فعل أولي العزم من الرسل " يأخذوا بأحسنها " أي فيها ما هو حسن وأحسن كالاقتصاص والعفو والانتصار والصبر . فمرهم أن يحملوا على أنفسهم في الأخذ بما هو أدخل في الحسن وأكثر للثواب كقوله تعالى : " واتبعوا أحسن ما أنزل إليكممن ربكم " الزمر : 55 ، وقيل يأخذوا بما هو واجب أو ندب لأنه أحسن من المباح .
ويجوز أن يراد : يأخذوا بما أمروا به دون ما نهوا عنه على قولك : الصيف أحر من الشتاء " سأريكم دار الفاسقين " يريد دار فرعون وقومه وهي مصر كيف أقفرت منهم ودمروا لفسقهم لتعتبروا فلا تفسقوا مثل فسقهم فينكل بكم مثل نكالهم . وقيل : منازل عاد وثمود والقرون الذين أهلكهم الله لفسقهم في ممركم عليها في أسفاركم . وقيل : دار الفاسقين : نار جهنم . وقرأ الحسن : سأوريكم وهي لغة فاشية بالحجاز . يقال : أورني كذا وأوريته . ووجهه أن تكون من أوريت الزند كأن المعنى بينه لي وأنره لأستبينه وقرئ : سأورثكم وهي قراءة حسنة يصححها قوله : " وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون " الأعراف : 137 ، . " سأصرف عن آياتي " بالطبع على قلوب المتكبرين وخذلانهم فلا يفكرون فيها ولا يعتبرون بها غفلة وانهماكا فيما يشغلهم عنها من شهواتهم . وعن الفضيل بن عياض : ذكر لنا عن رسول الله A :
