" من بعده " من بعد فراقه إياهم إلى الطور فإن قلت : لم قيل : واتخذ قوم موسى عجلا والمتخذ هو السامري ؟ قلت : فيه وجهان أحدهما : أن ينسب الفعل إليهم لأن رجلا منهم باشره ووجد فيما بين ظهرانيهم كما يقال : بنو تميم قالوا كذا وفعلوا كذا والقائل والفاعل واحد ولأنهم كانوا مريدين لاتخاذه راضين به فكأنهم أجمعوا عليه . والثاني : أن يراد واتخذوه إلها وعبدوه . وقرئ : " من حليهم " بضم الحاء والتشديد جمع حلي كثدي وثدي ومن حليهم بالكسر للإتباع كدلى . ومن حليهم على التوحيد والحلي : اسم لما يتحسن به من الذهب والفضة . فإن قلت : لم قال : من حليهم ولم يكن الحلي لهم إنما كانت عوارى في أيديهم ؟ قلت : الإضافة تكون بأدنى ملابسة وكونها عوارى في أيديهم كفى به ملابسة على أنهم قد ملكوها بعد المهلكين كما ملكوا غيرها من أملاكهم . ألا ترى إلى قوله عز وعلا : " فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل " الشعراء : 57 - 59 ، " جسدا " بدنا ذا لحم ودم كسائر الأجساد . والخوار : صوت البقر قال الحسن : إن السامري قبض قبضة من تراب من أثر فرس جبريل عليه السلام يوم قطع البحر فقذفه في في العجل فكان عجلا له خوار . وقرأ علي Bه : جؤار بالجيم والهمزة من جأر إذا صاح . وانتصاب جسدا على البدل من " عجلا " " ألم يروا " حين اتخذوه إلها أنه لا يقدر على كلام ولا على هداية سبيل حتى لا يختاروه على من لو كان البحر مدادا لكلماته لنفد البحر قبل أن تنفد كلماته وهو الذي هدى الخلق إلى سبل الحق ومناهجه بما ركز في العقول من الأدلة وبما أنزل في كتبه . ثم ابتدأ فقال : " اتخذوه " أي أقدموا على ما أقدموا عليه من الأمر المنكر " وكانوا ظالمين " واضعين كل شيء في غير موضعه فلم يكن اتخاذ العجل بدعا منهم ولا أول مناكيرهم " ولما سقط في أيديهم " ولما اشتد ندمهم وحسرتهم على عبادة العجل لأن من شأن من اشتد ندمه وحسرته أن يعض يده غما فتصير يده مسقوطا فيها لأن فاه قد وقع فيها . و " سقط " مسند إلى " في أيديهم " وهو من باب الكناية . وقرأ أبو السميفع : سقط في أيديهم على تسمية الفاعل أي وقع العض فيها وقال الزجاج : معناه سقط الندم في أيديهم أي في قلوبهم وأنفسهم كما يقال : حصل في يده مكروه وإن كان محالا أن يكون في اليد تشبيها لما يحصل في القلب وفي النفس وبما يحصل في اليد ويرى العين " ورأوا أنفسهم قد ضلوا " وتبينوا ضلالهم تبينا كأنهم أبصروه بعيونهم . وقرئ : " لئن لم ترحمنا ربنا وتغفر لنا " بالتاء . وربنا بالنصب على النداء وهذا كلام التائبين كما قال آدم وحواء عليهما السلام : وإن لم تغفر لنا وترحمنا .
" ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم وألقى الألواح وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين "
