وشهد رجل عند شريح . فقال : إنك لسبط الشهادة . فقال الرجل : إنها لم تجعد عني . فقال : لله بلادك وقبل شهادته . فالذي سوغ بناء الجار وتجعيد الشهادة هو مراعاة المشاكلة . ولولا بناء الدار لم يصح بناء الجار . وسبوطة الشهادة لامتنع تجعيدها . ولله در أمر التنزيل واحاطته بفنون البلاغة وشعبها لا تكاد تستغرب منها فنا إلا عثرت عليه فيه على أقوم مناهجه وأسد مدارجه . وقد استعير الحياء فيما لا يصح فيه : .
إذا ما استحين الماء يعرض نفسه ... كرعن بسبت في إناء من الورد .
وقرأ ابن كثير في رواية شبل : يستحي بياء واحدة . وفيه لغتان : التعدي بالجار والتعدي بنفسه . يقولون : استحييت منه واستحييته وهما محتملتان ههنا .
وضرب المثل : اعتماده وصنعه من ضرب اللبن وضرب الخاتم . وفي الحديث : " اضطرب رسول الله A في خاتما من ذهب " و " ما " هذه إبهاميةوهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهاما وزادته شياعا وعموما كقولك : أعطني كتابا ما تريد أي كتاب كان . أو صلة للتأكيد كالتي في قوله : " فبما نقضهم ميثاقهم " النساء : كأنه قيل : لا يستحيي أن يضرب مثلأ حقا أو البتة هذا إذا نصبت " بعوضة " رفعتها فهي موصولة صلتها الجملة لأن التقدير : هو بعوضة فحذف صدر الجملة كما حذف في " تماما على الذي أحسن " الأنعام : ووجه اخر حسن جميل وهو أن تكون التي فيها معنى الاستفهام لما استنكفوا من تمثيل الله لأصنامهم بالمحقرات قال : إن الله لا يستحيي أن يضرب للأنداد ما شاء من الأشياء المحقرة مثلا بله البعوضة فما فوقها كما يقال : فلان لا يبالي بما وهب ما دينار وديناران . والمعنى : إن لله أن يتمثل للأنداد وحقارة شأنها بما لا شيء أصغر منه وأقل كما لو تمثل بالجزء الذي لا يتجزأ وبمالا يدركه لتناهيه في صغره إلا هو وحده بلطفه أو بالمعدوم كما تقول العرب : فلان أقل من لا شيء في العدد . ولقد ألم به قوله تعالى : " إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء " العنكبوت : وهذه القراءة تعزى إلى رؤبة بن العجاج وهو أمضغ العرب للشيح والقيصوم والمشهود له بالفصاحة . وكانوا يشبهون به الحسن وما أظنه ذهب في هذه القراءة إلا إلى هذا الوجه وهو المطابق لفصاحته . وانتصب " بعوضة " بأنها عطف بيان لمثلا . أو مفعول ليضرب و " مثلأ " حال عن النكرة مقدمة عليه . أو انتصبا مفعولين فجرىضرب مجرىجعل . واشتقاق البعوض من البعض وهو القطع كالبضع والعضب . يقال : بعضه البعوض . وأنشد : .
لنعم البيت بيت أبي دثار ... إذا ما خا ف بعض القوم بعضا .
ومنه : بعض الشيء لأنه قطعة منه . والبعوض في أصله صفة على فعول كالقطوع فغلبت وكذلك الخموش " فما فوقها " فيه معنيان : أحدهما فما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا وهو الققة والحقارة نحو قولك - لمن يقول : فلان أسفل الناس وأنذلهم : هو فوق ذاك تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة . والثاني : فما زاد عليها في الحجم كأنه قصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة . كما تقول لصاحبك - وقد ذم من عرفته يشح بأدنى شيء فقال : فلان بخل بالدرهم والدرهمين : هو لا يبالي أن يبخل بنصف درهم فما فوقه تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان كأنك قلت : فضلأ عن الدرهم والدرهمين . ونحوه في الاحتمالين ما سمعناه في صحيح مسلم عن إبرهيم عن الأسود قال : " دخل شباب من قريش على عائشة رضي الله عنها وهي بمنى وهم يضحكون . فقالت : ما يضحككم . قالوا : فلان خر على طنب فسطاط فكادت عنقه أو عينه أن تذهب . فقالت : لا تضحكوا . إني سمعت رسول الله A قال : " ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجه ومحيت بها عنه خطيئة " يحتمل فما عدا الشوكة وتجاوزها في القلة وهي نحو نخبة النملة في قوله E :
