والأصل صبرا على : اصبر صبرا . وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب على الأصل . وقيل معناه : أمرنا حطة أي أن نحط في هذه القرية ونستقر فيها . فإن قلت : هل يجوز أن تنصب حطة في قراءة من نصبها ب قولوا على معنى : قولوا هذه الكلمة ؟ قلت : لا يبعد . والأجود أن تنصب بإضمار فعلها وينتصب محل ذلك المضمر ب قولوا . وقرئ يغفر لكم على البناء للمفعول بالياء والتاء " وسنزيد المحسنين " أي من كان محسنا منكم كانت تلك الكلمة سببا في زيادة ثوابه ومن كان مسيئا كانت له توبة ومغفرة . " فبدل الذين ظلموا " أي وضعوا مكان حطة " قولا " غيرها . يعني أنهم أمروا بقول معناه التوبة والاستغفار فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به ولم يمتثلوا أمر الله . وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه وهو لفظ الحطة فجاؤا بلفظ آخر لأنهم لو جاؤا بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به لم يؤاخذوا به . كما لو قالوا مكان حطة : نستغفرك ونتوب إليك . أو اللهم اعف عنا وما أشبه ذلك . وقيل : قالوا مكان حطة : حنطة . وقيل : قالوا : بالنبطية : حطا سمقاثا أي حنطة حمراء استهزاء منهم بما قيل لهم وعدولا عن طلب ما عند الله إلى طلب ما يشتهون من أغراض الدنيا . وفي تكرير " الذين ظلموا " زيادة في تقبيح أمرهم وإيذان بأن إنزال الرجز عليهم لظلمهم . وقد جاء في سورة الأعراف : " فأرسلنا عليهم " الأعراف : 133 ، على الإضمار . والرجز : العذاب . وقرئ . - بضم الراء - وروي : أنه مات منهم في ساعة بالطاعون أربعة وعشرون ألفا . وقيل : سبعون ألفا .
" وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين " عطشوا في التيه فدعا لهم موسى بالسقيا فقيل له : " اضرب بعصاك الحجر " واللام إما للعهد والإشارة إلى حجر معلوم . فقد روي : أنه حجر طوري حمله معه وكان حجرا مربعا له أربعة أوجه كانت تنبع من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين تسيل في جدول إلى السبط الذي أمر أن يسقيهم وكانوا ستمائة ألف وسعة المعسكر اثنا عشر ميلا وقيل : أهبطه آدم من الجنة فتوارثوه حتى وقع إلى شعيب فدفعه إليه مع العصا . وقيل : هو الحجر الذي وضع عليه ثوبه حين اغتسل إذ رموه بالأدرة ففر به فقال له جبريل : يقول لك الله تعالى : ارفع هذا الحجر فإن لي فيه قدرة ولك فيه قدرة ولك فيه معجزة فحمله في مخلاته . وإما للجنس أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر . وعلى الحسن : لم يأمر أن يضرب حجرا بعينه قال : وهذا أظهر في الحجة وأبين في القدرة . وروى أنهم قالوا : كيف بنا لو أفضينا إلى أرض ليست فيها حجارة فحمل حجرا في مخلاته فحيثما نزلوا ألقاه . وقيل : كان يضربه بعصاه فينفجر ويضربه بها فييبس . فقالوا : إن فقد موسى عصاه متنا عطشا فأوحى إليه : لا تقرع الحجارة وكلمها تطعك لعلهم يعتبرون . وقيل : كان من رخام وكان ذراعا في ذراع . وقيل : مثل رأس الإنسان . وقيل : كان من أسى الجنة طوله عشرة أذرع على طول موسى وله شعبتان تتقدان في الظلمة وكان يحمل على حمار : " فانفجرت " الفاء متعلقة بمحذوف أي فضرب فانفجرت . أو فإن ضربت فقد انفجرت كما ذكرنا في قوله : " فتاب عليكم " وهي على هذا فاء فصيحة لا تقع إلا في كلام بليغ . وقرئ عشرة بكسرة الشين وبفتحها وهما لغتان " كل أناس " كل سبط " مشربهم " عينهم التي يشربون منها " كلوا " على إرادة القول " من رزق الله " مما رزقكم من الطعام وهو المن والسلوى ومن ماء العيون . وقيل : الماء ينبت منه الزروع والثمار فهو رزق يؤكل منه ويشرب . والعثي : أشد الفساد فقيل لهم : لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه .
" وإذ قلتم يموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم وضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءو بغضب من الله ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون "