" ومن يرغب " إنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم . و " من سفه " في محل الرفع على البدل من الضمير في يرغب وصح البدل لأن من يرغب غير موجب كقولك : هل جاءك أحد إلا زيد " سفه نفسه " امتهنها واستخف بها . وأصل السفه : الخفة . ومنه زمام سفيه . وقيل : انتصاب النفس على التمييز نحو : غبن رأيه وألم رأسه . ويجوز أن يكون في شذوذ تعريف المميز نحو قوله : .
ولا بفزارة الشعر الرقابا .
أجب الظهر ليس له سنام .
وقيل معناه : سفه في نفسه فحذف الجار كقولهم : زيد ظني مقيم أي في ظني . والوجههو الأول . وكفى شاهدا له بما جاء في الحديث : " الكبر أن تسفه الحق وتغمص الناس " وذلك أنه إذا رغب عما لا يرغب عنه عاقل قط فقد بالغ في إذالة نفسه وتعجيزها حيث خالف بها كل نفس عاقلة " ولقد اصطفيناه " بيان لخطأ رأي من رغب عن ملته لأن من جمع الكرامة عند الله في الدارين بأن كان صفوته وخيرته في الدنيا وكان مشهودا له بالاستقامة على الخير في الآخرة لم يكن أحد أولى بالرغبة في طريقته منه " إذ قال " ظرف لاصطفيناه أي : اخترناه في ذلك الوقت . أو انتصب بإضمار اذكر استشهادا على ما ذكر من حاله . كأنه قيل : اذكر ذلك الوقت لتعلم أنه المصطفى الصالح الذي لا يرغب عن ملة مثله . ومعنى قال له : أسلم أخطر ببالك النظر في الدلائل المؤدية إلى المعرفة والإسلام . و " قال أسلمت " أي فنظر وعرف وقيل : أسلم : أي أذعن وأطع . وروي : أن عبد الله بن سلام دعا ابني أخيه سلمة ومهاجرا إلى الإسلام فقال لهما : قد علمنا أن الله تعالى قال في التوراة : إني باعث من ولد إسماعيل نبيا اسمه أحمد فمن آمن به فقد اهتدى ورشد ومن لم يؤمن به فهو ملعون . فأسلم سلمة وأبى مهاجر أن يسلم فنزلت .
" ووصى بها إبراهيم بنيه ويعقوب يا بني إن الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون " قرئ : وأوصى وهي في مصاحف أهل الحجاز والشام . والضمير في " بها " لقوله : " أسلمت لرب العالمين " على تأويل الكلمة والجملة ونحوه رجوع الضمير في قوله : " وجعلها كلمة باقية " الزخرف : 28 ، إلى قوله " إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني " الزخرف : 26 - 27 ، وقوله : كلمة باقية . دليل على أن التأنيث على تأويل الكلمة " ويعقوب " الزخرف : 26 - 27 ، عطف على إبراهيم داخل في حكمه . والمعنى : ووصى بها يعقوب بنيه أيضا . وقرى : ويعقوب بالنصب عطفا على بنيه . ومعناه ووصى بها إبراهيم بنيه ونافلته يعقوب " يا بني " على إضمار القول عند البصريين . وعند الكوفيين يتعلق بوصى لأنه في معنى القول . ونحوه قول القائل : .
رجلان من ضبة أخبرانا ... إنا رأينا رجلا عريانا .
بكسر الهمزة : فهو بتقدير القول عندنا . وعندهم يتعلق بفعل الإخبار . وفي قراءة أبي وابن مسعود : أن يا بني " اصطفى لكم الدين " أعطاكم الدين الذي هو صفوة الأديان وهو دين الإسلام . ووفقكم للأخذ به " فلا تموتن " معناه فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإسلام فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإسلام إذا ماتوا كقولك : لا تصل إلا وأنت خاشع فلا تنهاه عن الصلاة ولكن عن ترك الخشوع في حال صلاته . فإن قلت : فأي نكتة في إدخال حرف النهي عى الصلاة وليس بمنهى عنها ؟ قلت : النكتة فيه إظهار أن الصلاة التي لا خشوع فيها كلا صلاة فكأنه قال : أنهاك عنها إذا لم تصلها على هذه الحالة . ألا ترى إلى قوله E : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " فإنه كالتصريح بقولك لجار المسجد : لا تصل إلا في المسجد : وكذلك المعنى في الآية إظهار أن موتهم لا على حال الثبات على الإسلام موت لا خير فيه وأنه ليس بموت السعداء وأن من حق هذا الموت أن لا يحل فيهم . وتقول في الأمر أيضا : مت وأنت شهيد . وليس مرادك الأمر بالموت . ولكن بالكون على صفة الشهداء إذا مات ؛ وإنما أمرته بالموت اعتدادا منك بميتته وإظهارا لفضلها على غيرها وأنها حقيقة بأن يحث عليها .
" أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون "
