" أم كنتم شهداء " هي أم المنقطعة ومعنى الهمزة فيها الإنكار . والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر : أي ما كنتم حاضرين يعقوب عليه السلام إذ حضره الموت أي حين احتضر والخطاب للمؤمنين بمعنى : ما شاهدتم ذلك وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي . وقيل : الخطاب لليهود لأنهم كانوا يقولون : ما مات نبي إلا على اليهودية إلا أنهم لو شهدوه وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه لظهر لهم حرصه على ملة الإسلام ولما ادعوا عليه اليهودية . فالآية منافية لقولهم فكيف يقال لهم : أم كنتم شهداء ؟ ولكن الوجه أن تكون أم متصلة على أن يقدر قبلها محذوف كأنه قيل : أتدعون على الأنبياء اليهودية ؟ " أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت " يعني أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإسلام وقد علمتم ذلك فما لكم تدعون على الأنبياء ما هم منه براء ؟ وقرئ حضر بكسر الضاد وهي لغة . " ما تعبدون " أي شيء تعبدون ؟ و " ما " عام في كل شيء فإذا علم فرق بما ومن وكفاك دليلا قول العلماء من لما يعقل . ولو قيل : من تعبدون لم يعم إلا أولي العلم وحدهم . ويجوز أن يقال : " ما تعبدون " سؤال عن صفة المعبود . كما تقول : ما زيد ؟ تريد : أفقيه أم طبيب أم غير ذلك من الصفات ؟ و " إبراهيم وإسماعيل وإسحاق " عطف بيان لآبائك . وجعل إسماعيل وهو عمه من جملة آبائه لأن العم أب والخالة أم لانخراطهما في سلك واحد وهو الأخوة لا تفاوت بينهما . ومنه قوله E : " عم الرجل صنو أبيه " أي لا تفاوت بينهما كما لا تفاوت بين صنوي الخلة . وقال E في العباس : " هذا بقية آبائي " وقال : " ردوا علي أبي فإني أخشى أن تفعل به قريش ما فعلت ثقيف بعروة بن مسعود " وقرأ أبي : وإله إبراهيم بطرح آبائك . وقرئ : أبيك . وفيه وجهان : أن يكون واحدا وإبراهيم وحده عطف بيان له وأن يكون جمعا بالواو والنون . قال : .
وفديننا بالأبينا .
" إلها واحدا " بدل من إله آبائك كقوله تعالى : " بالناصية ناصية كاذبة " العلق : 15 - 16 ، أو على الاختصاص أي نريد بإله آبائك إلها واحدا " ونحن له مسلمون " حال من فاعل نعبد أو من مفعوله لرجوع الهاء إليه في له . ويجوز أن تكون جملة معطوفة على نعبد وأن تكون جملة اعتراضية مؤكدة أي ومن حالنا أنا له مسلمون مخلصون التوحيد أو مذعنون .
" تلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون " " تلك " إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم ويعقوب وبنوهما الموحدون . والمعنى : أن أحدا لا ينفعه كسب غيره متقدما كان أو متأخرا فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا فكذلك أنتم لا ينفعكم إلا ما اكتسبتم . وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم . ونحوه قول رسول الله A : " يا بني هاشم لا يأتيني الناس بأعمالهم وتأتوني بأنسابكم " " ولا تسئلون عما كانوا يعملون " ولا تؤاخذون بسيآتهم كما لا تنفعكم حسناتهم .
" وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين " " بل ملة إبراهيم " بل نكون ملة إبراهيم أي أهل ملته كقول عدي بن حاتم : " إني من دين " يريد من أهل دين . وقيل : بل نتبع ملة إبراهيم . وقرئ : ملة إبراهيم بالرفع أي ملته ملتنا أو أمرنا ملته أو نحن ملته بمعنى أهل ملته . و " حنيفا " حال من المضاف إليه كقلوك : رأيت وجه هند قائمة . والحنيف : المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق . والحنف : الميل في القدمين . وتحنف إذا مال . وأنشد : .
ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفا ديننا عن كل دين .
" وما كان من المشركين " تعريض بأهل الكتاب وغيرهم لأن كلا منهم يدعي اتباع إبراهيم وهو على الشرك .
" قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم " و " قولوا " خطاب للمؤمنين . ويجوز أن يكون خطابا للكافرين أي قولوا لتكونوا على الحق وإلا فأنتم على الباطل وكذلك قوله : " بل ملة إبراهيم " يجوز أن يكون على : بل اتبعوا أنتم ملة إبراهيم أو كونوا أهل ملته
