وعدي بفي الدالة على الظرفية للدلالة على أن الإسراع مجاز بمعنى التوغل فيكون ( في ) قرينة المجاز كقولهم : أسرع الفساد في الشيء وأسرع الشيب في رأس فلان . فجعل الكفر بمنزلة الظرف وجعل تخبطهم فيه وشدة ملابستهم إياه بمنزلة جولان الشيء في الظرف جولانا بنشاط وسرعة . ونظيره قوله ( يسارعون في الإثم وقوله نسارع لهم في الخيرات أولئك يسارعون في الخيرات ) . فهي استعارة متكررة في القرآن وكلام العرب . وسيجيء ما هو أقوى منها وهو قوله ( يسارعون فيهم ) .
وقوله ( من الذين قالوا آمنا بأفواههم ) إلخ بيان للذين يسارعون في الكفر . والذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم هم المنافقون .
وقوله ( ومن الذين هادوا ) معطوف على قوله ( من الذين قالوا آمنا ) . والوقف على قوله ( ومن الذين هادوا ) .
وقوله ( سماعون للكذب ) خبر مبتدأ محذوف تقديره : هم سماعون للكذب . والظاهر أن الضمير المقدر عائد على الفريقين : المنافقين واليهود بقرينة الحديث عن الفريقين .
وحذف المسند إليه في مثل هذا المقام حذف اتبع فيه الاستعمال وذلك بعد أن يذكروا متحدثا عنه أو بعد أن يصدر عن شيء أمر عجيب يأتون بأخبار عنه بجملة محذوف المبتدأ منها كقولهم للذي يصيب بدون قصد " رمية من غير رام " وقول أبي الرقيش .
سريع إلى ابن العم يلطم وجهه ... وليس إلى داعي الندى بسريع وقول بعض شعراء الحماسة : .
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت عقب قوله : .
سأشكر عمرا إن تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت والسماع : الكثير السمع أي الاستماع لما يقال له . والسمع مستعمل في حقيقته أي أنهم يصغون إلى الكلام الكذب وهم يعرفونه كذبا أي أنهم يحفلون بذلك ويتطلبونه فيكثر سماعهم إياه . وفي هذا كناية عن تفشي الكذب في جماعتهم بين سامع ومختلق لأن كثرة السمع تستلزم كثرة القول . والمراد بالكذب كذب أحبارهم الزاعمين أن حكم الزنى في التوراة التحميم .
وجملة ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك ) خبر ثان عن المبتدأ المحذوف . والمعنى أنهم يقبلون ما يأمرهم به قوم آخرون من كتم غرضهم عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى إن حكم بما يهوون اتبعوه وإن حكم بما يخالف هواهم عصوه أي هم أتباع لقوم متسترين هم القوم الآخرون وهم أهل خيبر وأهل فدك الذين بعثوا بالمسألة ولم يأت أحد منهم النبي صلى الله عليه وسلم .
واللام في ( لقوم ) للتقوية لضعف اسم الفاعل عن العمل في المفعول .
وجملة ( يحرفون الكلم ) صفة ثانية ( لقوم آخرين ) أو حال ولك أن تجعلها حالا ( من الذين يسارعون في الكفر ) .
وتقدم الكلام في تحريف الكلم عند قوله تعالى ( من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ) في سورة النساء وأن التحريف الميل إلى حرف أي جانب أي نقله من موضعه إلى طرف آخر .
وقال هنا ( من بعد مواضعه ) وفي سورة النساء ( عن مواضعه ) لأن آية سورة النساء في وصف اليهود كلهم وتحريفهم في التوراة . فهو تغيير كلام التوراة بكلام آخر عن جهل أو قصد أو خطأ في تأويل معاني التوراة أو في ألفاظها . فكان إبعادا للكلام عن مواضعه أي إزالة للكلام الأصلي سواء عوض بغيره أو لم يعوض . وأما هاته الآية ففي ذكر طائفة معينة أبطلوا العمل بكلام ثابت في التوراة إذ ألغوا حكم الرجم الثابت فيها دون تعويضه بغيره من الكلام فهذا أشد جرأة من التحريف الآخر فكان قوله ( من بعد مواضعه ) أبلغ في تحريف الكلام لأن لفظ ( بعد ) يقتضي أن مواضع الكلم مستقرة وأنه أبطل العمل بها مع بقائها قائمة في كتاب التوراة .
والإشارة التي في قوله ( إن أوتيتم هذا ) إلى الكلم المحرف . والإيتاء هنا : الإفادة كقوله ( وآتاه الله الملك والحكمة ) .
والأخذ : القبول أي إن أجبتم بمثل ما تهوون فاقبلوه وإن لم تجابوه فاحذروا قبوله . وإنما قالوا : فاحذروا لأنه يفتح عليهم الطعن في أحكامهم التي مضوا عليها وفي حكامهم الحاكمين بها .
وإرادة الله فتنة المفتون قضاؤها له في الأزل وعلامة ذلك التقدير عدم إجداء الموعظة والإرشاد فيه . فذلك معنى قوله ( فلن تملك له من الله شيئا ) أي لا تبلغ إلى هديه بما أمرك الله به من الدعوة للناس كافة