A E وهذا التركيب يدل في كلام العرب على انتفاء الحيلة في تحصيل أمر ما . ومدلول مفرداته أنك لا تملك أي لا تقدر على أقل شيء من الله أي لا تستطيع نيل شيء من تيسير الله لإزالة ضلالة هذا المفتون لأن مادة الملك تدل على تمام القدرة قال قيس بن الخطيم : .
" ملكت بها كفي فأنهر فتقها أي شددت بالطعنة كفي أي ملكتها بكفي وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعينية بن حصن " أو أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة " . وفي حديث دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم عشيرته " فإني لا أغني عنكم من الله شيئا " .
و ( شيئا ) منصوب على المفعولية .
وتنكير ( شيئا ) للتقليل والتحقير لأن الاستفهام لما كان بمعنى النفي كان انتفاء ملك شيء قليل مقتضيا انتفاء ملك الشيء الكثير بطريق الأولى .
والقول في قوله ( أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم ) كالقول في قوله ( ومن يرد الله فتنته ) .
والمراد بالتطهير التهيئة لقبول الإيمان والهدى أو أراد بالتطهير نفس قبول الإيمان .
والخزي تقدم عند قوله تعالى ( إلا خزي ) في سورة البقرة وقوله ( ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) في سورة آل عمران .
وأعاد ( سماعون للكذب ) للتأكيد وليرتب عليه قوله ( أكالون للسحت ) .
ومعنى ( أكالون للسحت ) أخاذون له لأن الأكل استعارة لتمام الانتفاع .
والسحت بضم السين وسكون الحاء الشيء المسحوت أي المستأصل . يقال : سحته إذا استأصله وأتلفه . سمي به الحرام لأنه لا يبارك فيه لصاحبه فهو مسحوت وممحوق أي مقدر له ذلك كقوله ( يمحق الله الربا ) قال الفرزدق : .
وعض زمان يابن مروان لم يدع ... من المال إلا مسحت أو مجنف والسحت يشمل جميع المال الحرام كالربا والرشوة وأكل مال اليتيم والمغصوب . وقرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة وأبو جعفر وخلف ( سحت ) بسكون الحاء وقرأه الباقون بضم الحاء إتباعا لضم السين .
( فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين [ 42 ] ) تفريع على ما تضمنه قوله تعالى ( سماعون لقوم آخرين لم يأتوك وقوله يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه ) فإن ذلك دل على حوار وقع بينهم في إيفاد نفر منهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم للتحكيم في شأن من شئونهم مالت أهواؤهم إلى تغيير حكم التوراة فيه بالتأويل أو الكتمان وأنكر عليهم منكرون أو طالبوهم بالاستظهار على تأويلهم فطمعوا أن يجدوا في تحكيم النبي صلى الله عليه وسلم ما يعتضدون به . وظاهر الشرط يقتضي أن الله أعلم ورسوله باختلافهم في حكم حد الزنا وبعزمهم على تحكيمه قبل أن يصل إليه المستفتون . وقد قال بذلك بعض المفسرين فتكون هذه الآية من دلائل النبوءة . ويحتمل أن المراد : فإن جاؤوك مرة أخرى فاحكم بينهم أو أعرض عنهم .
وقد خير الله تعالى رسوله صلى الله عليه وسلم في الحكم بينهم والإعراض عنهم . ووجه التخيير تعارض السببين ؛ فسبب إقامة العدل يقتضي الحكم بينهم وسبب معاملتهم بنقيض قصدهم من الاختبار أو محاولة مصادفة الحكم لهواهم يقتضي الإعراض عنهم لئلا يعرض الحكم النبوي للاستخفاف . وكان ابتداء التخيير في لفظ الآية بالشق المقتضي أنه يحكم بينهم إشارة إلى أن الحكم بينهم أولى ويؤيده قوله بعد ( وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط إن الله يحب المقسطين ) أي بالحق وهو حكم الإسلام بالحد . وأما قوله ( وإن تعرض عنهم فلن يضروك شيئا ) فذلك تطمين للنبي صلى الله عليه وسلم لئلا يقول في نفسه : كيف أعرض عنهم فيتخذوا ذلك حجة علينا يقولون : ركنا إليكم ورضينا بحكمكم فأعرضتم عنا فلا نسمع دعوتكم من بعد . وهذا مما يهتم به النبي صلى الله عليه وسلم لأنه يؤول إلى تنفير رؤسائهم دهماءهم من دعوة الإسلام فطمنه الله تعالى بأنه إن فعل ذلك لا تنشأ عنه مضرة . ولعل في هذا التطمين إشعارا بأنهم لا طمع في إيمانهم في كل حال . وليس المراد بالضر ضر العداوة أو الأذى لأن ذلك لا يهتم به النبي صلى الله عليه وسلم ولا يخشاه منهم خلافا لما فسر به المفسرون هنا .
A E
