وفي الكلام إيجاز إذ علم منه : أن الله يهلك القرى المسترسل أهلها على الشرك إذا أعرضوا عن دعوة الرسل وأنه لا يهلكهم إلا بعد أن يرسل إليهم رسلا منذرين وأنه أراد حمل تبعة هلاكهم عليهم حتى لا يبقي في نفوسهم أن يقولوا : لولا حمنا ربنا فأنبأنا وأعذر إلينا كما قال تعالى : ( ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله " أي محمد A أو قبل القرآن " لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى ) فاقتصر من هذا المعنى على معنى أن علة الإرسال هي عدم إهلاك القرى على غفلة فدل على المعنى المحذوف .
والإهلاك : إعدام ذات الموجود وإماتة الحي . قال تعالى : ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيي عن بينة ) فإهلاك القرى إبادة أهلها وتخريبها وإحياؤها إعادة عمرانها بالسكان والبناء قال تعالى : ( أنى يحيي هذه " أي القرية " الله بعد موتها ) . وإهلاك القرى هنا شامل لإبادة سكانها . لأن الإهلاك تعلق بذات القرى فلا حاجة إلى التمجز في إطلاق القرى على أهل القرى ( كما في : ( واسأل القرية ) ) لصحة الحقيقة هنا ولأنه يمنع منه قوله : ( وأهلها غافلون ) . ألا ترى إلى قوله تعالى : ( وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا ) فجعل إهلاكها تدميرها وإلى قوله : ( ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها ) .
والباء في : ( بظلم ) للسببية والظلم : الشرك أي مهلكهم بسبب شرك يقع فيا فيهلكها ويهلك أهلها الذين أوقعوه ولذلك لم يقل : بظلم أهلها لأنه أريد أن وجود الظلم فيها سبب هلاكها وهلاك أهلها بالأحرى لأنهم المقصود بالهلاك .
وجملة : ( وأهلها غافلون ) حال من ( القرى ) وصرح هنا ب ( أهلها ) تنبيها على أن هلاك القرى من جراء أفعال سكانها ( فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا ) .
( ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون [ 132 ] ) احتراس على قوله : ( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم ) للتنبيه على أن الصالحين من أهل القرى الغالب على أهلها الشرك والظلم لا يحرمون جزاء صلاحهم .
والتنوين في : ( ولكل ) عوض عن المضاف إليه : أي ولكلهم أي كل أهل القرى المهلكة درجات يعني أن أهلها تتفاوت أحوالهم في الآخرة . فالمؤمنون منهم لا يضاع إيمانهم . والكافرون يحشرون إلى العذاب في الآخرة بعد أن عذبوا في الدنيا . فالله قد ينجي المؤمنين من أهل القرى قبل نزول العذاب . وترفع درجة نالوها في الدنيا وهي درجة إظهار عناية الله بهم وترفع درجتهم في الآخرة والكافرون يحيق بهم عذاب الإهلاك ثم يصيرون إلى عذاب الآخرة . وقد تهلك القرية بمؤمنيها ثم يصيرون إلى النعيم فيظهر تفاوت درجاتهم في الآخرة وهذه حالة أخرى وهي المراد بقوله تعالى : ( واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة ) روى البخاري ومسلم . عن ابن عمر قال رسول الله A : " إذا أنزل الله بقوم عذابا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم " . وفي حديث عائشة Bهاعند البيهقي في الشعب مرفوعا أن الله تعالى إذا أنزل سطوته بأهل نقمته وفيهم الصالحون قبضوا معهم ثم بعثوا على نياتهم وأعمالهم صححه ابن حبان . وفي صحيح البخاري من حديث زينب بنت جحش أم المؤمنين Bها قالت : قال رسول الله A " ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج هكذا وعقد تسعين " أي عقد إصبعين بعلامة تسعين في الحساب المعبر عنه بالعقد بضم العين وفتح القاف قيل : أنهلك وفينا الصالحون قال : نعم إذا كثر الخبث " .
A E
