والدرجات هي ما يرتقى عليه من أسفل إلى أعلى في سلم أو أبناء وإن قصد بها النزول إلى محل منخفض من جب أو نحوه فهي دركات ولذلك قال تعالى : ( يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات وقال ( إن المنافقين في الدرك الأسف من النار ) ولما كان لفظ ( كل ) مرادا به جميع أهل القرية وأتى بلفظ ( الدرجات ) كان إيماء إلى تغليب حال المؤمنين لتطمئن نفوس المسلمين من أهل مكة بأنهم لا بأس عليهم من عذاب مشركيها ففيه إيماء إلى أن الله منجيهم من العذاب : في الدنيا بالهجرة وفي الآخرة بحشرهم على أعمالهم ونياتهم لأنهم لم يقصروا في الإنكار على المشركين ففي هذه الآية إيذان بأنهم سيخرجون من القرية التي حق على أهلها العذاب فإن الله أصاب أهل مكة بالجوع من لقرية التي حق على أهلها العذاب فإن الله أصاب أهل مكة بالجوع والخوف ثم بالغزو بعد أن أنجى رسوله A والمؤمنين . وقد علم من الدرجات أن أسافلها دركات فغلب درجات لنكتة الإشعار ببشارة المؤمنين بعد نذارة المشركين .
و ( من ) في قوله ( مما عملوا ) تعليلية أي من أعمالهم أي بسبب تفاوت أعماله .
وقوله : ( وما ربك بغافل عما يعملون ) خطاب للرسول A .
وقرأ الجمهور : ( يعملون ) " بياء الغيبة " فيعود الضمير إلى أهل القرى والمقصود مشركو مكة فهو للتسلية والتطمين لئلا يستبطئ وعد الله بالنصر وهو تعريض بالوعيد للمشركين من باب : واسمعي يا جارة . وقرأه ابن عامر بتاء المخاطب فالخطاب للرسول A ومن معه من المسلمين فهو وعد بالجزاء على صالح أعمالهم ترشيحا للتعبير بالدرجات حسبما قدمناه ليكون سلا لهم من وعيد أهل القرى أصحاب الظلم وكلتا القراءتين مراد لله تعالى فيما أحسب .
( وربك الغني ذو الرحمة ) عطفت جملة : ( وربك الغني ) على جملة : ( وما ربك بغافل عما يعملون ) إخبارا عن علمه ورحمته على الخبر عن عمله وفي كلتا الجملتين وعيد ووعد وفي الجملة الثانية كناية عن غناه تعالى عن إيمان المشركين وموالاتهم كما في قوله : ( إن تكفروا فإن الله غني عنكم ) وكناية عن رحمته إذ أمهل المشركين ولم يعجل لهم العذاب كما قال : ( وربك الغفور ذو الرحمة لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب ) في سورة الكهف .
وقوله : ( وربك ) إظهار في مقام الإضمار ومقتضى الظاهر أن يقال : وهو الغني ذو الرحمة فخولف مقتضى الظاهر لما في اسم الرب من دلالة على العناية بصلاح المربوب ولتكون الجملة مستقلة بنفسها فتيسر مسرى الأمثال والحكم وللتنويه بشأن النبي A .
والغني : هو الذي لا يحتاج إلى غيره والغني الحقيقي هو الله تعالى لأنه لا يحتاج إلى غيره بحال وفد قال علماء الكلام : إن صفة الغني الثابتة لله تعالى يشمل معناها وجوب الوجود لأن افتقار الممكن إلى الموجد المختار الذي يرجح طرف وجده على طرف عدمه هو أشد الافتقار وأحسب أن معنى الغني صفة الوجود في متعارف اللغة . إلا أن يكون ذلك اصطلاحا للمتكلمين خاصا بمعنى الغني المطلق . ومما يدل على ما قلته أن من أسمائه تعالى المغني ولم يعتبر في معناه أنه موجود الموجودات . وتقدم الكلام على معنى الغني عند قوله تعالى : ( إن يكن غنيا أو فقيرا ) في سورة النساء .
وتعريف المسند باللام مقتض تخصيصه بالمسند إليه أي قصر الغني على الله وهو قصر ادعائي باعتبار أن غني غير الله تعالى لما كان غني ناقصا نزل منزلة العدم أي ربك الغني لا غيره وغناه تعالى حقيقي . وذكر وصف الغني هنا تمهيد للحكم الوارد عقبه وهو : ( إن يشأ يذهبكم ) فهو من تقديم الدليل بين يدي الدعوى تذكيرا بتقريب حصول الجزم بالدعوى .
و ( ذو الرحمة ) خبر ثان .
A E