وعدل عن أن يوصف بوصف الرحيم إلى وصفه بأنه : ( ذو الرحمة ) : لأن الغني وصف ذاتي لله لا ينتفع الخلائق إلا بلوازم ذلك الوصف وهي جوده عليهم لأنه لا ينقص شيئا من غناه بخلاف صفة الرحمة فإن تعلقها ينفع الخلائق فأوثرت بكلمة ( ذو ) لأن ( ذو ) كلمة يتوصل بها إلى الوصف بالأجناس ومعناها صاحب وهي تشعر بقوة أو وفرة ما تضاف إليه فلا يقال ذو إنصاف إلا لمن كان قوي الإنصاف ولا يقال ذو مال لمن عنده مال قليل والمقصود من الوصف بذي الرحمة هنا تمهيد لمعنى الإمهال الذي في قوله : ( إن يشأ يذهبكم ) أي فلا يقولن أحد لماذا لم يذهب هؤلاء المكذبين أي أنه لرحمته أمهلهم إعذارا لهم .
( إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين [ 133 ] ) استئناف لتهديد المشركين الذين كانوا يكذبون الإنذار بعذاب الإهلاك فيقولون : ( متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ) وذلك ما يؤذن به قوله عقبه : ( إنما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين ) .
فالخطاب يجوز أن يكون للنبي A والمقصود منه التعريض بمن يغفل عن ذلك من المشركين فيكون تهديدا صريحا .
والمعنى : إن يشأ الله يعجل بإفنائكم ويستخلف من بعدكم ما يشاء ممن يؤمن به كما قال : ( وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم ) : أي فما إمهاله إياكم إلا لأنه الغني ذو الرحمة .
وجملة الشرط وجوابه خبر ثالث عن المبتدأ . ومفعول : ( يشاء ) محذوف على طريقته المألوفة في حذف مفعول المشيئة .
والإذهاب مجاز غب الإعدام كقوله : ( وإنا على ذهاب به لقادرون ) .
والاستخلاف : جعل الخلف عن الشيء والخلف : العوض عن شيء فائت فالسين والتاء فيه للتأكيد و ( ما ) موصولة عامة أي : ما يشاء من مؤمنين أو كافرين على ما تقتضيه حكمته وهذا تعريض بالاستئصال لأن ظاهر الضمير يفيد العموم .
والتشبيه في قوله : ( كما أنشأكم من ذرية قوم آخرين ) تشبيه في إنشاء موجودات بعد موجودات أخرى لا في كون المنشئات مخرجة من بقايا المعدومات كما أنشأ البشر نشأة ثانية من ذرية من أنجاهم الله في السفينة مع نوح " عليه السلام " فيكون الكلام تعريضا بإهلاك المشركين ونجاة المؤمنين من العذاب .
وكاف التشبيه في محل نصب نيابة عن المفعول المطلق لأنها وصف لمحذوف تقديره : استخلافا كما أنشأكم فإن الإنشاء يصف كيفية الاستخلاف . و ( من ) ابتدائية . ومعنى الذرية واشتقاقها تقدم عند قوله تعالى ( قال ومن ذريتي ) في سورة البقرة .
ووصف ( قوم ) ب ( آخرين للدلالة على المغايرة أي قوم ليسوا من قبائل العرب وذلك تنبيه على عظيم قدرة الله تعالى أن ينشئ أقواما من أقوام يخالفونهم في اللغة والعوائد والمواطن وهذا كناية عن تباعد العصور وتسلسل المنشآت لأن الاختلاف بين الأصول والفروع لا يحدث إلا في أزمنة بعيدة فشتان بين أحوال قوم نوح وبين أحوال العرب المخاطبين وبين ذلك قرون مختلفة متباعدة .
( إن ما توعدون لآت وما أنتم بمعجزين [ 134 ] ) هذه الجملة بدل اشتمال من جملة : ( إن يشأ يذهبكم ) فإن المشيئة تشتمل على الحالين : حال ترك إهلاكهم وحال إيقاعه فأفادت هذه الجملة أن مشيئة الله تعلقت بإيقاع ما أوعدهم به من الإذهاب ولك أن تجعل الجملة استئنافا بيانيا : جوابا عن أن يقول سائل من المشركين متوركا بالوعيد : إذا كنا قد أمهلنا وأخر عنا الاستئصال فقد أفلتنا من الوعيد ولعله يلقاه أقوام بعدنا فورد قوله : ( إن ما توعدون لآت ) مورد الجواب عن هذا السؤال الناشئ عن الكلام السابق بتحقيق أن ما أوعد به المشركون واقع لا محالة وإن تأخر .
والتأكد ب ( إن ) مناسب لمقام المتردد الطالب وزيادة التأكد بلام الابتداء لأنهم متوغلون في إنكار تحقق ما أوعدوا به من حصول الوعيد واستسخاهم به فإنهم قالوا : ( اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) إفحاما للرسول ص وإظهارا لتخلف وعيده .
A E